سياقات ومعاني.. 

بعد ثلاثة أسابيع من الفوز… كيف أعادت الجزائر قراءة انتصارها في معركة رئاسة برلمان إفريقيا؟

0
108
بعد مرور ثلاثة أسابيع على الانتخاب التاريخي للدكتور ” فاتح بوطبيق” على رأس البرلمان الإفريقي، بدأت ملامح هذا الإنجاز تتجاوز البعد البروتوكولي للمنصب، لتتحول إلى محطة سياسية ودبلوماسية تعكس عودة الجزائر بقوة إلى عمقها الإفريقي، ليس فقط كدولة فاعلة داخل القارة، بل كطرف قادر على التأثير في توازنات مؤسساتها الكبرى.
الحدث الذي شغل الأوساط السياسية والإعلامية الإفريقية لم يكن مجرد فوز انتخابي عابر، بل جاء بعد واحدة من أكثر المعارك البرلمانية والدبلوماسية حدة داخل المؤسسة القارية، بدأت من مجموعة شمال إفريقيا، حيث خاض المرشح الجزائري مواجهة مباشرة مع ممثل المغرب، قبل أن يحسم السباق بفارق كبير من الأصوات، ثم يواصل تقدمه خلال الاقتراع العام للجمعية العامة للبرلمان الإفريقي.
هذا التفوق الجزائري اللافت اعتبره متابعون مؤشرا على حجم التحول الذي تعرفه مكانة الجزائر داخل الفضاء الإفريقي، خاصة في ظل الحضور المتزايد للدبلوماسية الجزائرية في الملفات القارية خلال السنوات الأخيرة.
من معركة انتخابية إلى تثبيت الحضور داخل المؤسسة القارية
ولأن الرهانات لم تكن مرتبطة فقط بالحصول على المنصب، سارعت الرئاسة الجديدة لـ “البرلمان الإفريقي” إلى مباشرة عملها داخل المؤسسة، حيث أشرف الدكتور فاتح بوطبيق خلال الأيام الماضية على اجتماعات تنظيمية وهيكلية للبرلمان الإفريقي، في خطوة عكست رغبة مبكرة في إعطاء ديناميكية جديدة لعمل الهيئة البرلمانية القارية.
هذه الاجتماعات، بحسب متابعين، حملت مؤشرات أولية على توجه جزائري نحو إعادة تفعيل دور البرلمان الإفريقي داخل منظومة الاتحاد الإفريقي، ومنح المؤسسة حضورا أكبر في النقاشات المتعلقة بالسلم والتنمية والتكامل داخل القارة.
كما أظهرت التحركات الأولى للرئيس الجديد حرص الجزائر على الانتقال بسرعة من مرحلة الفوز السياسي إلى مرحلة تثبيت الحضور المؤسساتي داخل الهيئة القارية.
استقبال رئاسي يؤكد البعد الاستراتيجي للمنصب
عودة الدكتور فاتح بوطبيق إلى الجزائر، واستقباله من طرف الرئيس عبد المجيد تبون، حملت بدورها دلالات سياسية واضحة، تعكس الأهمية التي توليها الدولة الجزائرية لهذا التتويج القاري.
فالاستقبال الرئاسي لم يُقرأ فقط كتكريم لمسؤول جزائري تقلد منصبا إفريقيا، بل كرسالة تؤكد أن الجزائر تنظر إلى رئاسة البرلمان الإفريقي باعتبارها مكسبا استراتيجيا يعزز موقعها داخل مؤسسات القرار القاري.
كما عكس هذا اللقاء وجود إرادة رسمية لمواكبة الدور الجديد الذي ستلعبه الجزائر من داخل البرلمان الإفريقي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها القارة الإفريقية والتنافس المتزايد على مراكز التأثير داخلها.
ماذا يمكن أن تقدم الجزائر من خلال هذه الرئاسة؟
ورغم أن البرلمان الإفريقي يبقى هيئة ذات طابع استشاري وتشريعي ضمن مؤسسات الاتحاد الإفريقي، إلا أن رئاسته تمنح هامشا مهما للتأثير السياسي والدبلوماسي، خصوصا عبر توجيه النقاشات القارية وصناعة المبادرات البرلمانية المشتركة.
ومن المنتظر أن تدفع الجزائر، خلال هذه المرحلة، بعدة ملفات محورية، أبرزها تعزيز الدبلوماسية البرلمانية الإفريقية، وتوسيع مساحات الحوار بين الدول الأعضاء، إضافة إلى دعم المقاربة القائمة على الحلول السياسية للأزمات الإفريقية.
كما تبدو قضايا السلم والأمن في الساحل، والتكامل الاقتصادي الإفريقي، والتنسيق حول ملفات التنمية والهجرة والتغيرات المناخية، ضمن الأولويات التي يمكن أن تحضر بقوة خلال الرئاسة الجزائرية.
ويرى متابعون أن الجزائر تمتلك فرصة لتحويل البرلمان الإفريقي إلى فضاء أكثر حضورا وتأثيرا داخل المنظومة القارية، عبر الدفع نحو تحديث آليات عمله وتقوية دوره السياسي والرمزي داخل إفريقيا.
انتصار يتجاوز حدود البرلمان
بعد أسابيع من هذا الفوز، يبدو أن الجزائر لا تتعامل مع رئاسة البرلمان الإفريقي كمنصب بروتوكولي فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع لاستعادة دورها التاريخي داخل القارة الإفريقية.
فالمعركة التي بدأت داخل مجموعة شمال إفريقيا وانتهت بتزكية قارية واسعة، كشفت أن الجزائر استعادت جزءا مهما من قدرتها على بناء التحالفات وكسب المعارك الدبلوماسية داخل المؤسسات الإفريقية.
ولهذا، فإن انتخاب الدكتور فاتح بوطبيق لا يبدو اليوم مجرد خبر عابر مضى عليه الزمن، بل محطة سياسية ما تزال تداعياتها تتشكل داخل المشهد الإفريقي، وتفتح أمام الجزائر مرحلة جديدة من الحضور والتأثير في قلب القارة السمراء.
مختار بوروينة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا