“كيفاش نخلصو المتعاملين لي يسالو للدولة دراهم… لأن القضية قضية مصداقية!؟”

سؤال من رئيس مجلس الأمة يكشف حساسية ملف مستحقات المؤسسات العالقة

0
216
أعاد رئيس مجلس الأمة الجزائري، عزوز ناصري ، فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية والإدارية حساسية، والمتعلق بتأخر تسديد مستحقات المتعاملين الاقتصاديين والمؤسسات التي أنجزت مشاريع وخدمات لفائدة الدولة ولم تتحصل بعد على أموالها في الآجال المنتظرة.
اللافت في هذا النقاش لم يكن فقط مضمون القضية، بل الطريقة المباشرة التي طرح بها السؤال في شكل تعقيب على اجابة وزير المالية خلال جلسة رسمية علنية خصصت للاسئلة الشفوية الموجهة لأعضاء الحكومة ، ترأسها رئيس مجلس الأمة بنفسه، الخميس الفارط ، حين قال مخاطبًا وزير المالية:
“كيفاش نخلصو المتعاملين لي يسالو للدولة دراهم… لأن القضية قضية مصداقية!؟”.
هذا الطرح حمل أبعادا تتجاوز الإطار التقني أو المالي، ليعكس إدراكا رسميا متزايدا بأن ملف المستحقات العالقة لم يعد مجرد قضية محاسبية، بل تحول إلى مسألة ترتبط بثقة المؤسسات في الإدارة العمومية وصورة الدولة أمام المتعاملين الاقتصاديين.
وفي رده، أوضح الوزير، أن القطاع يعمل على إنشاء آلية متابعة عملية تسمح بتنظيم وتسهيل صرف مستحقات المتعاملين في آجال معقولة، مع التشديد على ضرورة احترام بنود العقود المبرمة، بما يحد من تراكم الديون ويجنب المؤسسات أزمات مالية قد تعصف باستقرارها ونشاطها.
ويأتي هذا التوجه ـ حسب وزير المالية ـ في إطار مساعي الدولة لضبط التوازنات المالية ودعم الاستثمار والإنعاش الاقتصادي، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية والمتعاملون المرتبطون بالمشاريع العمومية.
وكشف النقاش الذي دار داخل الجلسة أن الإشكال لا يتعلق دائمًا بغياب التمويل في حد ذاته.
فبحسب متابعين للشأن المالي والإداري في الجزائر، فإن عددا معتبرا من المشاريع والعمليات العمومية يُطلق أصلا ضمن تخصيصات مالية مفتوحة أو اعتمادات مبرمجة مسبقا ضمن قوانين المالية السنوية أو في إطار رخص البرامج متعددة السنوات. وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب استمرار التأخر في التسديد رغم وجود أغلفة مالية معلنة ومؤطرة قانونيا.
ومن هنا يرى كثيرون أن جوهر المشكلة يكمن أحيانا في بطء المسار الإداري والمالي، وتعقيدات التأشير والمراقبة والمحاسبة العمومية، إضافة إلى تأخر تحويل الاعتمادات أو إعادة ترتيب الأولويات المالية، ما يخلق فجوة بين الالتزام الإداري والتنفيذ المالي الفعلي.
هذه الفجوة تتحول بالنسبة للمؤسسات إلى عبء ثقيل قد يهدد استقرارها المالي. فالكثير من الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، تعتمد على تحصيل مستحقاتها لتغطية الأجور والضرائب والالتزامات البنكية ومصاريف التسيير. وعندما تتأخر المدفوعات لأشهر أو سنوات أحيانا، تجد بعض المؤسسات نفسها عاجزة عن مواصلة النشاط أو الدخول في مشاريع جديدة، رغم أنها نفذت التزاماتها التعاقدية كاملة.
كما ينعكس الوضع على مناخ الاستثمار والأعمال عموما، إذ يصبح المتعامل الاقتصادي أكثر تحفضا في التعامل مع المشاريع العمومية، أو يضطر إلى احتساب مخاطر التأخر في التسديد ضمن تكاليف الإنجاز، ما يرفع الكلفة النهائية للمشاريع العمومية نفسها.
أما على مستوى الدولة، فإن المسألة ـ كما لمح إليها رئيس مجلس الأمة ـ ترتبط مباشرة بـ”المصداقية”. فالدولة التي تطالب المؤسسات باحترام الآجال والتنفيذ الدقيق لدفاتر الشروط، مطالبة بدورها باحترام التزاماتها المالية ضمن آجال معقولة تحفظ الثقة والتوازن الاقتصادي.
وتكتسب تصريحات رئيس مجلس الأمة أهمية خاصة لأنه لم يتحدث بصفته معلقا سياسيا أو نائبا معنيا بالسؤال المبرمج ، بل وهو يترأس جلسة رسمية وعلنية داخل مؤسسة دستورية عليا، ما يعطي لتدخله دلالة سياسية ومؤسساتية واضحة، ويعكس أن الملف محل إحاطة ومتابعة على مستويات عليا داخل الدولة.
كما أن استعماله لعبارة “القضية قضية مصداقية” يوحي بأن الانشغال لم يعد محصورا في الجوانب التقنية أو المحاسبية، بل أصبح مرتبطا مباشرة بصورة الإدارة العمومية وقدرتها على بناء علاقة ثقة مستقرة مع المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين.
وبين توضيحات الحكومة وتساؤلات المؤسسات، يبقى التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من معالجة ظرفية للملفات العالقة إلى بناء آليات دائمة تضمن سرعة التسوية وشفافية المتابعة وربط إطلاق المشاريع بضمانات تنفيذ مالي فعلي، بما يحفظ استمرارية المؤسسات ويعزز مصداقية الدولة في آن واحد.
مختار بوروينة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا