سياقات ومعاني..

ما بعد الحرب في الإقليم: معركة السرديات والوعي في الخليج

0
782
لا تتوقف تداعيات التوترات الإقليمية عند حدود المواجهات العسكرية أو الأمنية، بل تمتد سريعا إلى فضاء أكثر تعقيدا فضاء السرديات وصناعة المعنى، فحين تتراجع حدة الفعل المباشر، تبدأ معركة أخرى – أقل وضوحاً لكنها أكثر تأثيرا – تتعلق بتفسير ما جرى، وبمن يملك حق صياغة روايته، وبكيفية إعادة بناء الوقائع داخل الوعي الجمعي الإقليمي.
في السياق الخليجي، لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن هذا التحول في طبيعة الصراع. فالأحداث المرتبطة بالمواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من تداعيات أمنية واقتصادية، لم تُنتج فقط آثارا ميدانية، بل فتحت أيضا مجالا واسعا لإعادة تشكيل الخطاب حول “النتائج” و “المكاسب” و “موازين القوة. “
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية حين تتحول الوقائع إلى سرديات جاهزة، ويُعاد تفسير الحدث خارج سياقه الاستراتيجي، تصبح المعركة الفعلية ليست في الميدان، بل في الوعي.
السردية بعد الحرب بين الوعي النقدي والتجميل السياسي
تظهر التجارب التاريخية أن المجتمعات التي نجحت في النهوض بعد الأزمات الكبرى لم تعتمد على الخطاب الاحتفالي، بل على مراجعة صارمة لذاتها. فالحرب العالمية الثانية لم تنتج فقط سرديات انتصار، بل دفعت أوروبا إلى إعادة نظر عميقة في بنيتها السياسية والفكرية، ومهدت لبناء مؤسسات هدفت إلى منع تكرار الكارثة.
كما أعادت ألمانيا بناء شرعيتها على الذاكرة والقانون بدل الإنكار، فيما حول قصف هيروشيما وناغازاكي اليابان إلى نموذج لإعادة البناء قائم على الانضباط والتحول الاقتصادي.
في الحالة الجزائرية، لا تمثل الثورة الجزائرية مجرد ذاكرة وطنية أو حدثا تاريخيا مغلقا، بل سؤالا مفتوحاً حول الدولة والهوية والتنمية. فهي تجربة لا تختزل في لحظة الانتصار، بل في القدرة على تحويلها إلى مشروع مؤسساتي متجدد، يربط بين الذاكرة ومتطلبات الحاضر.
وما يجمع هذه التجارب ليس حجم المحنة، بل طريقة التعامل معها: مواجهة الحقيقة بدل تجنبها.
في السياق الإقليمي: حرب لم تخض…. وسردية صنعت
في السياق الإقليمي القريب، يبرز مثال معاصر يتمثل في التوترات المرتبطة بالمواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من تداعيات أمنية واقتصادية على محيط الخليج، دون أن تكون بعض دوله طرفا مباشرا في العمليات العسكرية.
تكشف هذه المرحلة مفارقة واضحة: الفعل العسكري جرى خارج الجغرافيا الخليجية، لكن تأثيراته كانت مباشرة على الممرات البحرية، وأسعار الطاقة، والتجارة العالمية، ما يؤكد هشاشة العلاقة بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي. غير أن الإشكال لا يكمن في الحدث ذاته، بل في طريقة تفسيره فقد أعادت بعض الخطابات تأويل هذه التطورات باعتبارها “مكاسب غير مباشرة ” أو تحولات إيجابية، رغم غياب المشاركة الفعلية في الصراع، وهنا ينتقل التحليل من قراءة استراتيجية إلى بناء رمزي منفصل عن الواقع.
إشكالية السردية الخليجية ودور النخب
تظهر القراءة النقدية أن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في طريقة بناء السردية بعد الأزمات، حيث يميل بعض الخطاب إلى تضخيم فكرة نصر غير مباشر”، عبر الربط بين إضعاف طرف إقليمي وتعزيز قوة ذاتية للخليج، أو تحويل التوترات إلى مكاسب رمزية لا تعكس توازنا حقيقيا في موازين القوة.
هذا التوجه يُنتج وعيا مشوها، يقلل من الحاجة إلى مراجعة استراتيجية حقيقية، ويؤجل طرحالأسئلة الجوهرية حول طبيعة الأمن الإقليمي ومصادر هشاشته.
وفي هذا الإطار، يبرز تمايز واضح بين مستويين
أولاً: دور الدولة الذي يتسم بالبراغماتية، من خلال التركيز على التهدئة، وضبط الاستقرار، وإدارة المخاطر، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ثانياً: دور النخب الثقافية والفكرية حيث يظهر الخلل الأكبر، مع انزياح بعض هذه النخب نحو التبرير بدل النقد، وتحولها أحيانا إلى أداة لإنتاج الرضا العام، وإعادة صياغة سرديات انتصارية تفتقر إلى التحليل الاستراتيجي الدقيق.
قراءة الواقع من الفهم إلى السؤال
في هذا السياق، لا يقتصر الأمر على وصف التحولات الإقليمية، بل يمتد إلى فهمها: كيف يُعاد التفكير في موقع الخليج ضمن بيئته الاستراتيجية؟ ، وكيف تقرأ علاقاته الإقليمية؟ ، وما طبيعة النظام الأمني الذي يستند إليه، بين الاعتماد الخارجي والقدرة الذاتية على إدارة المخاطر؟.
وتتفرع عن ذلك أسئلة أعمق تتعلق بالبنية الداخلية: الفجوة بين الثروة والقدرة على الصمود مستوى الجاهزية المؤسسية، وجودة الوعي الاستراتيجي لدى النخب المؤثرة.
كما يظل سؤال الخطاب مركزيا لماذا تنتج بعض السرديات قراءات انتصارية غير دقيقة؟ ، ومن يملك سلطة إعادة تشكيل هذا الخطاب ، وكيف يمكن الانتقال من وعي تبريري إلى وعي نقدي قادر على تفكيك الواقع بدل تزيينه؟
الإشكال ليس في الأزمات ذاتها، بل في طريقة روايتها، إذ تميل بعض الخطابات إلى تحويل الأحداث إلى سرديات مريحة، حتى في غياب معطيات كافية.
وهذا النمط يؤدي إلى إضعاف فهم الواقع، وتأجيل الإصلاحات، وخلق وهم استقرار غير قائم.
في كل مجتمع، يفترض أن تضطلع النخب بدور نقدي، غير أن المشكلة تظهر حين تتحول إلى أداة الإنتاج الإجماع بدل مساءلته.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا تكشف الأزمة فعلاً؟ وما الذي يجب تغييره بدل إعادة تفسيره ؟
الفجوة بين التقدم المادي والوعي الاستراتيجي
تظهر التجارب أن التقدم الاقتصادي والبنية التحتية لا يكفيان لبناء قوة مستدامة. فالمشاريع الكبرى تظل عرضة للاهتزاز إذا لم تدعم برؤية استراتيجية قادرة على استشراف التحولات وإدارة المخاطر.
فالقوة لا تقاس بما تملك، بل بقدرتنا على فهم البيئة التي نتحرك فيها والتكيف معها.
ما بعد التوترات ليس لحظة احتفال بل لحظة مساءلة. فالمجتمعات التي تكتفي بسرديات مريحة قد تربح هدوءا مؤقتا ، لكنها تخسر القدرة على رؤية ذاتها بوضوح.
أما تلك التي تواجه الحقيقة، فهي وحدها التي تمتلك فرصة إعادة بناء نفسها على أسس أكثر صلابة.
مختار بوروينة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا