سياقات ومعاني.. 

من التاريخ إلى القانون: ترتيب ملف جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر 

0
1212
لا يأتي مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر كخطوة ظرفية أو رد فعل سياسي آني، بل يندرج ضمن مسار سيادي طويل يجعل من الذاكرة الوطنية عنصراً مركزياً في بناء الدولة المستقلة. فالذاكرة، في التجربة الجزائرية، لم تكن يوماً مجرد استحضار للماضي، بل أداة لفهم الحاضر وتحصين المستقبل.
في هذا الإطار، يبرز القانون باعتباره محطة مفصلية في مسار استعادة الحق التاريخي، ومحاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع الإرث الاستعماري على أساس الحقيقة والعدالة، بعيداً عن منطق النسيان المفروض أو التجاوز القسري. فالدولة التي لا تحمي ذاكرتها تترك تاريخها عرضة للتشويه، وتفتح المجال أمام قراءات انتقائية تفرغ الاستقلال من معناه.
التعامل مع ملف الذاكرة بوصفه شأناً سيادياً خالصاً يعكس إرادة واضحة لعدم إخضاع هذا الملف لحسابات الضغط الخارجي أو لموازين المصالح الظرفية. ورغم ما طبع المسار الدبلوماسي الجزائري من انفتاح وعقلانية، فإن تعثر العلاقة مع الطرف الفرنسي يكشف استمرار وجود مقاربات داخل فرنسا ترفض مواجهة الإرث الاستعماري بوضوح ومسؤولية، وتفضّل كسب الوقت على حساب الحقيقة.
الرهان الجزائري لا يتجه نحو القطيعة، بقدر ما يسعى إلى تأسيس علاقة متوازنة تقوم على الاعتراف بالتاريخ كما هو، لا كما يراد له أن يُروى. فالمصالحة الحقيقية لا تُبنى على طمس الجرائم أو القفز عليها، بل على الاعتراف بها ومعالجتها في إطار أخلاقي وقانوني يراعي حقوق الذاكرة وكرامة الضحايا.
داخلياً، يكتسب هذا القانون أهميته من كونه ثمرة مسار توافقي جمع مختلف الحساسيات السياسية، ما يمنحه بعداً شعبياً ويحصّنه من التوظيف السياسي الضيق. كما أن إنجازه بعيداً عن الضجيج الإعلامي يعكس رغبة في تقديم نص ناضج قانونياً، لا مادة للمزايدات أو الاستقطاب.
ولا يتوقف البعد الاستراتيجي للقانون عند الإطار الوطني، بل يمتد ليمنحه أفقاً دولياً، خاصة مع التوجه إلى ترجمته إلى لغات عالمية، بما يجعله مرجعاً أخلاقياً للدول التي عانت من الاستعمار. فهنا، لا تطرح الجزائر نفسها كحالة استثنائية، بل كجزء من ذاكرة إنسانية أوسع ما تزال تبحث عن العدالة.
أما من حيث المضمون، فإن القانون يعيد فتح ملفات ظلت عالقة لعقود، على غرار مخلفات التفجيرات النووية في الجنوب الجزائري وملف الألغام التي ما تزال خرائطها الكاملة غائبة. وهي قضايا لا يمكن طيّها بمنطق الزمن، لأن آثارها الإنسانية والبيئية ما تزال قائمة، ولأن الجرائم المرتبطة بها لا تسقط بالتقادم.
الرهان على نسيان الذاكرة الجماعية للجزائريين أثبت فشله. فالذاكرة الوطنية لم تكن عبئاً على الدولة، بل أحد مصادر قوتها واستمراريتها. وقانون تجريم الاستعمار لا يحوّل الذاكرة إلى أداة صدام، بل إلى إطار سيادي يحمي التاريخ من التزييف، ويضع أسساً أكثر وضوحاً لعلاقات مستقبلية قائمة على الحقيقة لا الإنكار.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا