سياقات ومعاني.. 

عالم بلا قواعد… من يضبط الفوضى الدولية؟

0
733
العالم اليوم يتغيّر بسرعة هائلة، أسرع من قدرة أي نظام على ضبطه. لم تعد الأزمات استثناءً، بل أصبحت قاعدة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف المؤسسات التي يفترض أن تنظم هذه الأزمات وتحمي الاستقرار. النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على الأمم المتحدة والقواعد التي تفوق القوة، يمر اليوم بأعظم اختبار في تاريخه. القوانين تُطبَّق بانتقائية، تُستخدم ضد البعض وتُتجاهل لصالح الأقوياء، ما أفقد القانون الدولي هيبته والمؤسسات مصداقيتها. التدخلات العسكرية غير المصرح بها، أو العقوبات الاقتصادية الانتقائية، تظهر بوضوح كيف يمكن للقواعد أن تُستغل وفق المصالح.
اليوم، الصراع لا يدور فقط حول الأراضي أو النفوذ، بل حول تعريف “الشرعية”. ما يُعد انتهاكاً في مكان قد يُبرَّر في آخر. هذا الفراغ يعزز منطق القوة على القانون، ويجعل من الصفقات قصيرة الأمد أكثر أهمية من الالتزامات الدولية، بينما يتحول الاقتصاد العالمي إلى ساحة ضغط سياسي عبر العقوبات والحروب التجارية والطاقة والغذاء والتكنولوجيا. هذه المرونة الانتقائية تضعف الردع الدولي وتشجع القوى الكبرى على اختبار حدود القواعد، مما يزيد من توتر النظام العالمي ويقلل من قدرة المؤسسات على حماية السلام والاستقرار.
الدول الصغيرة والمتوسطة تتحمل العبء الأكبر. غياب القواعد الواضحة يضعها بين الاصطفاف القسري أو دفع ثمن صراعات لم تكن طرفاً فيها. الإصلاح الجوهري يبدأ بإعادة هيكلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لضمان تمثيل عادل وإرجاع الثقة في القرارات الدولية.
 كما يجب إصلاح النظام الاقتصادي العالمي لضمان عدالة أكبر في الفرص، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وحماية الجنوب العالمي من التهميش. تعزيز الشفافية وإشراك الدول الصغيرة في الحوارات الاقتصادية والسياسية يجعل المؤسسات أكثر قدرة على تمثيل مصالح العالم كله، وليس قلة من القوى الكبرى.
لكن الإصلاح يحتاج أيضاً إلى واقعية أخلاقية: توازن بين المصالح والقيم، واحترام القانون، مع حماية الدول الأضعف. هذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الدول الكبرى لتقديم تنازلات مدروسة، وتعاوناً دولياً يمنح النظام فرصة للاستمرار. وإلا فإن العالم سيتجه نحو فوضى مفتوحة، وصراعات غير محدودة، حيث تصبح القوة وحدها هي من يحدد القواعد. العالم اليوم أمام مفترق حاسم: هل سيتم إعادة النظام الدولي إلى مساره، أم تركه ينهار تحت وطأة المصالح والنزاعات؟.
أبو محمد 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا