لم تعد التهديدات التي تواجه الدول اليوم محصورة في ساحات القتال أو في أصوات المدافع، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تُخاض حروب صامتة تقوم على تضليل الحقائق، وبث الشك، وزعزعة الثقة داخل المجتمعات.
في هذا السياق، تواجه الجزائر تحديات معاصرة تندرج ضمن ما يُعرف بحروب الجيل الرابع والخامس،التي تعتمد على الكلمة والمعلومة المضللة والضغط النفسي قبل أي مواجهة تقليدية.
ومن هذا المنطلق، تأتي التحذيرات المتكررة للقيادة السياسية في الجزائر، التي أكدت في أكثر من مناسبة أن الخطر اليوم لا يتمثل فقط في التهديدات الأمنية التقليدية، بل يشمل كذلك حملات التضليل الإعلامي والحرب النفسية الهادفة إلى التأثير على الرأي العام وضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
وقد شددت هذه التحذيرات على ضرورة تعزيز التنسيق الوطني الشامل وتطوير آلياتمواجهة هذه الحملات على مختلف الأصعدة: الإعلامية، الرقمية، الاجتماعية والسياسية.
وفي هذا الإطار، تم تدعيم هذه المقاربة بالبحث اليقظ عبر تنظيم عدة ملتقيات وندوات وطنية، رفيعة المستوى ، خاصة من طرف وزارة الدفاع الوطني وهيئات رسمية أخرى، ناقشت مخاطر حروب المعلومات وسبل التصدي لها، مؤكدة أن المواجهة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تتطلب رفع مستوى الوعي المجتمعي وبناء مناعة وطنية قائمة على المعلومة الصحيحة.
في سياق الرد العملي على هذه الحملات، جاء بيان وزارة الدفاع الوطني ليفنّد بشكل قاطع الأخبار الزائفة التي تداولتها بعض وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية المعروفة بتوجهاتها- والتي لا تحمل من هذه المهنة إلا الاسم-بشأن مزاعم إنشاء وحدات مرتزقة جزائرية تنشط في منطقة الساحل، مؤكّدًا عدم صحة هذه الادعاءات وتمسّك الجزائر بمبادئها الثابتة القائمة على حسن الجوار، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتفضيلها للحوار والمفاوضات في حل الأزمات.
ويعكس هذا البيان منهج الدولة في مواجهة تضليل الحقائق، من خلال الرد الرسمي الواضح، وتحصين الرأي العام بالمعلومة الدقيقة، والتمييز بين النقد البنّاء والحملات الموجهة.
كما يبرز الدور الإقليمي للجزائر، التي لطالما دافعت عن الحلول السلمية والتقيد بالقانون الدولي،ورفضت منطق الفوضى والسلاح في منطقة الساحل.
إن مواجهة التضليل الإعلامي ليست مجرد ردّ ظرفي على محتوى زائف، بل هي معركة استراتيجية طويلة النفس تهدف إلى حماية سمعة البلاد، وتعزيز الثقة المجتمعية، والتصدي لكل محاولات الإرباك من الداخل والخارج.
وفي هذا الإطار، يبقى وعي المواطن الجزائري خط الدفاع الأول، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل ركيزة أساسية في صون الأمن النفسي والاجتماعي للأمة.