سياقات ومعاني..

بينما تُرفع رايات “السلام” وتُوقَّع اتفاقيات التطبيع، تستمر الحروب وتتسع رقعة الدم

0
936
لم يعد ممكنًا الاستمرار في التعامل مع التطبيع العربي– الكيان الصهيوني الإسرائيلي بوصفه مشروع سلام أُسيء تطبيقه أو أُحبطته الظروف. فبينما تُوقَّع الاتفاقيات وتُلتقط الصور الرسمية وتُضخّ لغة “الاستقرار الإقليمي”، تتكشّف الحقيقة على الأرض بوضوح فادح: حروب مفتوحة، احتلال أعمق، ودم فلسطيني لا يتوقف. هذا التناقض ليس صدفة، بل نتيجة منطقية لمسار اختار الاعتراف بالقوة القائمة بدل مساءلتها، وفضّل إدارة الصراع على حساب إنهائه.
من كامب ديفيد إلى أوسلو ووادي عربة، وصولًا إلى “اتفاقيات أبراهام”، قُدّم التطبيع دائمًا باعتباره خطوة شجاعة نحو السلام. لكن حصيلته الفعلية بعد أكثر من نصف قرن لا تُظهر سلامًا ولا استقرارًا بل سلسلة متواصلة من الحروب، وتوسعًا استيطانيًا غير مسبوق، وتآكلًا ممنهجًا للحقوق الفلسطينية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا فشل التطبيع، بل: هل كان السلام هدفه أصلًا؟.
تشير الوقائع إلى أن التطبيع لم يُصمَّم لإنهاء الصراع، بل لتحويله إلى صراع قابل للإدارة. فالقضية الفلسطينية، التي كانت في جوهرها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني، جرى تفكيكها تدريجيًا وتحويلها إلى ملف تفاوضي مفتوح، بلا سقف زمني ولا ضمانات ولا مرجعية ملزمة. وبهذا المعنى، لم يعد المطلوب حل الصراع، بل تحييده ومنع ارتداداته الإقليمية، حتى لو استمر الاحتلال نفسه.
في المقابل، لم تكن الأنظمة العربية التي اندفعت نحو التطبيع مدفوعة بوهم السلام بقدر ما كانت محكومة بحسابات البقاء. فالتطبيع وفّر لها بوابة للرضا الأمريكي، ووسيلة للاندماج في ترتيبات أمنية جديدة، وأداة لتحصين السلطة داخليًا. أما فلسطين، فتحولت من التزام سياسي وأخلاقي إلى عبء ينبغي احتواؤه أو تأجيله، لا مواجهته.
ويردد أنصار التطبيع أن العلاقات الدبلوماسية تتيح “الضغط من الداخل” على إسرائيل. غير أن التجربة أثبتت العكس. فالتطبيع تم بلا شروط، ومن دون ربطه بأي التزامات حقيقية تجاه إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان. ومع كل اعتراف جديد، انخفضت كلفة سياسات الكيان الصهيوني بدل أن ترتفع، وتراجعت فكرة المحاسبة الدولية بدل أن تتعزز.
الأخطر من ذلك أن التطبيع راهن على إنهاء المقاومة عبر الاحتواء السياسي والأمني، متجاهلًا أن المقاومة ليست ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة لاحتلال لم يُحلّ. لذلك، كلما أُغلقت الأبواب السياسية الحقيقية، عادت المقاومة بأشكال أكثر حدّة، مؤكدة أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلا إلى انفجاره مجددًا.
أما على مستوى الإقليم، فقد كذّبت الوقائع وعود الاستقرار. فالتطبيع لم يمنع الحروب على غزة، ولم يوقف الاعتداءات على لبنان وسوريا، ولم يجنّب دولًا عربية مطبّعة أو مرشحة للتطبيع من التهديد والضغط. ما يعني أن السلام الذي لا يقوم على العدالة لا يحمي أحدًا، لا الفلسطينيين ولا غيرهم.
في المحصلة، المشكلة في التطبيع ليست فقط في نتائجه، بل في منطقه. فسلام يعترف بالواقع الاستعماري بدل تغييره، ويكافئ القوة بدل تقييدها، لا يمكن أن يكون سلامًا حقيقيًا. إنه سلام على الورق، تُناقضه الحروب على الأرض. وما لم يُعاد تعريف السلام بوصفه إنهاءً للاستعمار لا إدارةً له، فإن التطبيع سيبقى وصفة لتأجيل الانفجار، لا لمنعه.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا