سياقات ومعاني..

الإعلام الوطني… مسؤولية الكلمة في حماية الوعي الجماعي

0
734
لم يعد الإعلام في الجزائر اليوم مجرد ناقل للأحداث أو وسيط يعكس الوقائع، بل أصبح فاعلا مركزيا في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة الرأي العام، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي وتعدد مصادر المعلومة، وفي بيئة تختلط فيها الأخبار الصحيحة بالشائعات، تبرز الحاجة إلى إعلام وطني مسؤول قادر على تحصين المجتمع من التضليل، والحفاظ على تماسكه، وتعزيز ثقته في ذاته وفي فضائه العام
إن حماية الاستقرار المجتمعي لا تتحقق عبر الخطاب التعبوي ولا من خلال التضييق على حرية التعبير، بل بإعلام مهني يوازن بوعي بين الحق في الكلمة ومتطلبات المسؤولية الوطنية.. فحرية التعبير تظل قيمة أساسية لا يمكن المساس بها، لكنها تفقد معناها عندما تفرغ من بعدها المهني، أو تستغل في الإساءة والتشويه وبث الشك، بما ينعكس سلبا على السلم الاجتماعي ويُضعف الثقة بين المواطن ومحيطه المؤسساتي.
وفي هذا الإطار، يبدو أن النقاش القائم اليوم في الجزائر يتجه نحو مقاربة أكثر واقعية، لا تنقي الحاجة إلى الإصلاح، لكنها تركز بالأساس على ترقية المهنة الإعلامية وتفعيل الأدوات القانونية والتنظيمية المتوفرة . فالمطلوب لم يعد فقط إعادة طرح شعارات عامة، بل العمل على ضبط الممارسة الإعلامية وتعزيز اخلاقيات المهنة، وترسيخ ثقافة التحقق والدقة، خاصة في مواجهة التحديات التي فرضها الإعلام الرقمي وسرعة تداول المعلومة، وهي مقاربة تسعى إلى تنظيم المجال الإعلامي دون المساس بجوهر الحرية، وإلى الارتقاء بالأداء المهني بما يخدم المصلحة العامة.
غير أن نجاح هذا التوجه يطل مرتبطا بمدى قدرة المنظومة الإعلامية بكل مكوناتها، على تحويل النصوص القانونية والتوجيهات العامة إلى ممارسة مهنية فعلية. ممارسة تضع الصحفي في قلب العملية الإعلامية، وتمنحه الحماية والاستقلالية، وتخضع الجميع في الوقت ذاته لقواعد واضحة وعادلة، بما يسهم في بناء علاقة ثقة متبادلة بين الإعلام والجمهور.

ويُعد تطوير الإطار القانوني المنظم للمهنة ركيزة أساسية في هذا المسار، ليس باعتباره أداة للضبط فقط، بل كوسيلة لترقية الأداء الإعلامي وحماية الفعل الصحفي من العشوائية والارتجال. فالقوانين المتوازنة التي تصون حرية الصحافة وتشجع التعددية، تمثل ضمانة أساسية لإعلام قوي، قادر على مرافقة التحولات الاجتماعية والسياسية بروح نقدية مسؤولة.

إن الإعلام الوطني، حين يُمارس بمهنية واستقلالية، لا يكتفي بنقل الخبر ، بل يضطلع بدور أصل يتمثل في تحصين الوعي الجماعي، وتغذية النقاش العمومي، والمساهمة في بناء فضاء إعلامي يعكس تنوع المجتمع ويحترم ذكاء الجمهور.
من هنا، فإن الحديث عن إصلاح الإعلام لا ينفصل عن ترقية المهنة، ولا عن حماية الوعي الوطني، بل يشكل مسارًا واحدًا متكاملا هدفه بناء إعلام موثوق، ومجتمع أكثر وعيا، ودولة أكثر توازنا وثقة في مستقبلها.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا