إفريقيا تتحدث بصوت واحد:

إعلان الجزائر نقطة تحول في العدالة التاريخية

0
355
شهد الاتحاد الإفريقي خلال قمته الـ39 في أديس أبابا محطة مفصلية في تاريخ القارة، باعتماد “إعلان الجزائر” حول جرائم الاستعمار في إفريقيا كمساهمة رسمية في الجهد القاري لتجريم الاستعمار والمطالبة بالتعويضات.
ويعد هذا القرار علامة فارقة، إذ يعكس للمرة الأولى صوتا إفريقيا موحدا حول هذا الملف التاريخي الحساس، متجاوزا التباينات بين الدول الأعضاء، وموجها رسالة واضحة للعالم مفادها أن إفريقيا لم تعد تتعامل مع إرث الاستعمار على المستوى الفردي، بل على مستوى قاري موحد يجمعها على الموقف السياسي والأخلاقي والقانوني.
وجاء اعتماد الإعلان تتويجا لأشغال المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا الذي احتضنته الجزائر العاصمة يومي 30 نوفمبر و1 ديسمبر 2025، في إطار موضوع الاتحاد الإفريقي لسنة 2025 الموسوم بـ “العدالة للأفارقة والمنحدرين من أصل إفريقي من خلال التعويضات”.
وقد تمثل أهم ما في هذا الإعلان ،دعوته للقوى الاستعمارية السابقة إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية بشكل صريح وعلني، والاعتراف بالمظالم التي ارتكبتها، فضلاً عن اقتراح إنشاء منصة إفريقية للعدالة البيئية تكون مسؤولة عن تحديد المناطق المتضررة وتقييم الأضرار، ومرافقة الدول المعنية في صياغة توصيات لإعادة التأهيل والتعويض، وهو ما يشكل خطوة عملية لتوسيع مفهوم العدالة التاريخية ليشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما يحمل القرار رمزية قوية في اعتماد 30 نوفمبر يوما إفريقيا لإحياء ذكرى الشهداء الأفارقة وضحايا تجارة الرقيق عبر الأطلسي والاستعمار والفصل العنصري (الأبارتيد)، مؤكدا أهمية الذاكرة الجماعية كركيزة للاعتراف والإنصاف وضمان عدم التكرار.
ويعكس هذا النهج حرص الاتحاد الإفريقي على تحويل التاريخ من مجرد استذكار رمزي إلى أداة سياسية وأخلاقية تدعم العدالة الانتقالية على مستوى القارة، وتعيد صياغة الهوية الجماعية الإفريقية حول قيم الاعتراف والمساءلة والعدالة.
ويعكس تقدير الاتحاد الإفريقي لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على هذه المبادرة الدور البارز للجزائر في الدفع بملف العدالة التاريخية إلى صدارة الأجندة الإفريقية، وإبراز مكانة القارة في التعامل مع الإرث الاستعماري بصوت موحد وموقف جماعي.
ويرى المراقبون أن هذه الوحدة القارية تمنح المبادرة قوة سياسية ودبلوماسية أكبر أمام القوى الاستعمارية السابقة، وتفتح الطريق أمام مطالبات قانونية أكثر تنظيما، بما يضع الأساس لمفاوضات مستقبلية على نطاق قاري ودولي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، أبرزها مدى استعداد القوى الاستعمارية السابقة للاستجابة لمطالب الاعتراف والتعويض، إضافة إلى التعقيدات القانونية الدولية المتعلقة بالسيادة ومبدأ التقادم، فضلاً عن التباينات الاقتصادية والسياسية بين الدول الإفريقية نفسها.
ومع ذلك، يمثل اعتماد “إعلان الجزائر” لحظة تاريخية بارزة، إذ توحدت خلالها إفريقيا لأول مرة في موقف جماعي واضح، جامع بين الرمزية التاريخية والاستراتيجية القانونية، ومؤسس لإطار قاري موحد للتفاوض حول العدالة التاريخية والتعويضات.
وبين الرمزية والتنفيذ، يؤكد هذا الإعلان أن القارة تعي مسؤوليتها في الدفاع عن حقوق شعوبها ومواجهة إرث الاستعمار بصوت موحد، وتضع بذلك حجر أساس لمرحلة جديدة في العلاقات بين إفريقيا وشركائها الدوليين قائمة على الاعتراف والمساءلة والإنصاف.
نضال يقين

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا