الحرب على غزة.. وتعطّل مجلس الأمن: 

هل يعيد «مجلس السلام» رسم قواعد الشرعية الدولية؟

0
910
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، استمر الاحتلال الصهيوني في خروقاته الحربية على غزة، في وقت يواجه فيه مجلس الأمن عجزا عن فرض أي وقف إطلاق نار ملزم. هذا الفشل أعاد إلى الواجهة نقاشا حول جدوى النظام الدولي الحالي وطرح بدائل مثل إنشاء “مجلس سلام” دولي أكثر مرونة وسرعة، قادر على التحرك خارج قيود الفيتو التقليدية.
يحتاج العالم إلى أدوات أكثر فاعلية لصناعة السلام، في ظل بطء الأمم المتحدة وتفاقم النزاعات، غير أن السعي إلى السرعة لا ينبغي أن يكون على حساب القواعد التي تمنح السلام شرعيته. فمقترح إنشاء “مجلس سلام” جديد، رغم ما يحمله من وعود بكسر الشلل الدولي، يطرح إشكالية أعمق: هل نصلح النظام القائم أم نستبدل القواعد بترتيبات تقوم على النفوذ والمال؟.
تنطلق خلفية المقترح من تشخيص واسع الانتشار: مجلس الأمن مشلول بسبب الفيتو وتوازنات القوة، بينما تتكاثر الحروب وتضعف فاعلية القانون الدولي. ويقدم “مجلس السلام” كإطار أكثر مرونة وسرعة، قادر على التحرك عبر دائرة محدودة من الدول، وربط وقف النزاعات بحزم سياسية واقتصادية تشمل إعادة الإعمار وضمانات أمنية.
غير أن هذه البراغماتية تصطدم بإشكالية التصميم المؤسسي. فالصيغة المتداولة تمنح رئاسة المجلس صلاحيات واسعة في توجيه الدعوات وقبول الأعضاء وتجديد العضوية، من دون معايير مكتوبة أو آليات رقابة مستقلة. ومع هذا التركيز للقرار، تتراجع التعددية، ويصبح السلام خاضعا لاعتبارات سياسية متغيرة لا لقواعد عامة ملزمة.
وتعد غزة مثالا كاشفا للخلفية التي أفرزت فكرة “مجلس السلام”. فشل مجلس الأمن في فرض وقف إطلاق نار ملزم، والانقسام الدولي الحاد، وغياب أفق سياسي واضح، كلها عناصر تستخدم لتبرير الحاجة إلى إطار أسرع وأقل خضوعا للفيتو. لكن غزة تكشف أيضًا المخاطر الكامنة في ربط السلام بالإعمار من دون إطار قانوني واضح، حيث يتحول التمويل إلى أداة ضغط: مكافأة للامتثال وعقوبة للرفض.
كما تبلغ الإشكالية ذروتها عند ربط العضوية أو الوزن التصويتي بمساهمات مالية كبيرة. فالتمويل، حين يكون شفافا ومنفصلًا عن القرار السياسي، يعد التزاما جماعيا مشروعا. أما حين يصبح المال طريقا لامتياز سياسي أطول أو نفوذ أكبر، فإن الرسالة تصبح واضحة: الشرعية الدولية قابلة للمفاضلة وفق القدرة على الدفع، لا وفق الالتزام بالقانون الدولي.
لا يتمثل الخطر الأساسي في ظهور منظمة جديدة إلى جانب الأمم المتحدة، بل في اعتماد صيغة تحول السلام إلى ترتيب انتقائي، وتستبدل القواعد المشتركة بتفاهمات ظرفية. لذلك، تجد الدول نفسها أمام خيار ثالث يتجاوز الرفض أو القبول المتعجل: المشاركة المشروطة بقواعد واضحة، تشمل معايير موضوعية للدعوة، فصلا صارما بين التمويل والامتياز السياسي، وآليات تمنع احتكار القرار.
في عالم مأزوم بالحروب والنزاعات ، قد يكون السلام السريع ضرورة، لكن السلام الذي يُدار بمنطق الصفقات يظل هشا، وقابلا للانهيار مع أول تغير في موازين القوة.
أبومحمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا