سياقات ومعاني: قراءة في التحولات القيمية والاجتماعية في زمن الرقمنة

هل نواجه تحوّلًا في السلوك أم فجوة في الفهم؟

0
1036
لم يعد تغيّر السلوك المجتمعي حدثًا عابرًا يمكن اختزاله في أحكام سريعة أو قراءته بمنطق القلق وحده. ففي زمن الرقمنة المتسارعة، تتبدّل القيم، وتتغير أنماط التفاعل، وتتراجع المسافات بين الخاص والعام، بينما تتقدّم منصات التواصل بوصفها فاعلًا يوميًا في تشكيل الرأي والسلوك. وبين سرعة هذا التحوّل وبطء أدوات الفهم، تتسع فجوة تجعلنا نراقب السلوك أكثر مما نفهمه، وننصرف إلى معالجة مظاهره بدل التعمق في جذوره الاجتماعية والثقافية.
في هذا السياق، يكتسب الخطاب الرسمي في بعض البلدان، ومنها الجزائر، أبعادًا خاصة. فهو ينطلق من إدراك حساسية البنية الاجتماعية الوطنية وتاريخها، ويضع حماية الهوية والقيم المرجعية في صميم التعاطي مع السلوكيات المجتمعية. ومع التحولات الرقمية، عبّر هذا الخطاب عن قلق متزايد من تأثير المحتوى الرقمي على الشباب، من انتشار الأخبار المضللة وخطاب الكراهية إلى التنمّر الإلكتروني وأنماط الاستهلاك الثقافي غير المنضبطة.
غير أن معالجة هذه الظواهر غالبًا ما اتسمت بطابع توجيهي وتقنيني، يركّز على التحذير والضبط القانوني وتعزيز الخطاب الأخلاقي، أكثر من التركيز على دراسة السلوك بعمق. هذا النمط يجعل التعامل مع التحولات يقتصر أحيانًا على معالجة المظاهر بدل فهم العوامل الاقتصادية والثقافية والرقمية والتربوية التي تشكّل سلوك الأفراد والمجتمعات.
وهنا تكمن الحاجة الملحة إلى مقاربة علمية ممنهجة، تشاركية، تُشرك الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التربوية والإعلام والمجتمع المدني. فالسلوك الإنساني ليس نتاجًا لمجرد قوانين أو رسائل توجيهية، بل يتأثر بالبنية الاجتماعية، التغيرات الرقمية، الضغوط الاقتصادية، وبتحولات منظومة القيم المرجعية.
إن اعتماد مقاربة علمية لفهم المتغيرات السلوكية لا يعني الابتعاد عن حماية الهوية والقيم الوطنية، بل على العكس، يتيح بناء سياسات متوازنة تعزز الاستقرار الاجتماعي والثقة بين الدولة والمجتمع، وتستثمر فعليًا في رأس المال البشري. فالتحولات السلوكية، حين تُقرأ بعين المعرفة وليس بعين القلق، تصبح فرصة للتنمية المستدامة، وليس مجرد مصدر انشغال أخلاقي مؤقت.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا