سياقات ومعاني

التضليل الرقمي… موجة خفية تربك الثقة وتهزّ وعي المجتمعات

0
496
لم يعد التضليل الرقمي محتوى هامشياً، بل قوة مؤثرة قادرة على إرباك الثقة وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق إيقاع لا يضبطه منطق ولا تحكمه مؤسسات. ويتضاعف تأثيره في ظل ضعف الشفافية المعلوماتية أحياناً، واعتماد جزء من الجمهور على مصادر غير موثوقة.
سياسياً، لم تعد الشائعات أسلحة بدائية، بل أدوات موجّهة قادرة على التأثير في النقاش العمومي وفي تصوّر الأفراد للواقع. منشور واحد مصاغ بعناية قد يغيّر مسار نقاش عام، ويضعف الثقة في المؤسسات، ويغذي شعوراً عاماً بأن كل شيء قابل للشك. السياسة المبنية على الإشاعة تتحول إلى معركة ضبابية تُدار من خلف الشاشات، ويصبح الرأي العام هدفاً سهلاً لمن يجيد هندسة التضليل. ومع تراكم مثل هذه الرسائل، يضعف التفكير النقدي للمواطن تدريجياً، وتصبح المعلومات الموثوقة أقل تأثيراً مقارنة بالشائعات السريعة الانتشار.
اجتماعياً، يستغل التضليل القضايا ذات الحساسية الاجتماعية مثل الهوية واللغة وحتى القضايا القبلية والجهوية، وملفات الصحة والتعليم لزرع شرخ خفيّ يتوسع مع الوقت، ويجعل المجتمع عرضة للتشويش والانفعال عوض النقاش العقلاني، حيث يشكّ المواطن في كل شيء لأن الحدود بين الحقيقة والزيف أصبحت ضبابية، ما ينعكس على العلاقات اليومية والثقة بين الجماعات والافراد.
اقتصادياً، يكفي خبر كاذب حول الأسعار أو سلسلة الامدادات والتموين أو المشاريع الاستثمارية ليقود الأسواق إلى اضطرابات غير مبررة. ومع هشاشة الوعي الرقمي، تزدهر عمليات الاحتيال والمضاربة التي تستغل الخوف والسرعة وضعف التحقق، فتتأثر سلوكيات المستهلكين والمستثمرين على حد سواء.
التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر لم تجعلها بمنأى عن هذه الظاهرة، حيث شكّل الفراغ المعلوماتي في بعض الفترات مجالاً خصباً لانتشار الشائعات. وبرز دور الصفحات والمنابر في تضخيم الأحداث وإعادة تدوير المحتوى غير الموثوق، ما زاد من إرباك المواطن وحتى محيط القرار.
ولمواجهتها ، فكل الحرص على بناء بيئة إعلامية أكثر صحّة وموثوقية عبر تعزيز التربية الإعلامية، وتطوير منصات وطنية للتحقق من الأخبار، دعم الإعلام المهني القادر على تقديم محتوى موثوق وسريع، إضافة إلى التواصل الرسمي الفعّال والشفاف لتقليص مساحة الشائعات وتشجيع المستخدمين على تبني ثقافة التحقق قبل المشاركة. هكذا فقط يمكن حماية الوعي العام من موجة التضليل التي تتسع يوماً بعد يوم كصناعة خفية وموجهة في عالم رقمي مفتوحا على التواصل المتاح.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا