سياقات ومعاني..

في الجزائر: خيارات استراتيجية لمسار السيادة والتحصين الداخلي

0
492
تعكس افتتاحية مجلة الجيش، في عددها الأخير، قراءة سياسية دقيقة لمرحلة تتقاطع فيها رهانات البناء الوطني مع تصاعد حروب التأثير والتشويش في بيئة إقليمية ودولية معقدة. فالتوصيف الذي قدمته الافتتاحية للجزائر باعتبارها واحة للأمن والاستقرار والسكينة، لا يندرج في خانة الخطاب الوصفي، بقدر ما يعكس معادلة سياسية وأمنية نجحت الدولة في تكريسها رغم محيط إقليمي يتسم بالاضطراب في أكثر من ساحة.
هذا الاستقرار البنيوي مكن الجزائر من إطلاق ورشة وطنية كبرى لمشاريع استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وتنموية عميقة، تعكس تحوّلًا في منطق التسيير العمومي والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فالحديث عن مسار ثابت نحو التموقع ضمن الدول الناشئة يحيل سياسيًا إلى إرادة واضحة في تنويع الاقتصاد، تعزيز السيادة الاقتصادية، وتدعيم عناصر الاستقلال الوطني بمفهومه الشامل.
غير أن هذا المسار، بطبيعته، لا يتحقق في فراغ، بل يثير ردود فعل متوقعة من أطراف ترى في صعود الجزائر المستقل تهديدًا لمصالحها أو لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة. وهو ما يفسر، كما تشير افتتاحية مجلة الجيش، تصاعد المحاولات البائسة واليائسةالرامية إلى عرقلة هذه الديناميكية، عبر حملات تضليل ممنهجة ومكشوفة.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال ندوته الصحفية الأخيرة دلالة سياسية خاصةو معززة، إذ أكد أن الجزائر، من خلال الديناميكية الجديدة التي تسير وفقها، تسعى إلى أن تكون قوة استقرار وخير في محيطها الإقليمي، وهي ديناميكية تحظىبإشادة أكبر الدول في العالم. هذا التصريح لا يعكس فقط طموحًا دبلوماسيًا، بل يكرّس توجها استراتيجيا يجعل من الجزائر فاعلا إقليميا يسعى إلى تصدير الاستقرار بدل استيراد الأزمات، مستندا إلى ثقلها السياسي وموقعها الجيوسياسية وخياراتها السيادية.
وفي المقابل، تبرز الحملات التي تستهدف الجزائر كجزء من نمط معروف في أدبيات الحرب الهجينة، يعتمد على أدوات ناعمة كالتضليل الإعلامي، صناعة السرديات السوداوية، وتضخيم النقائص بمعزل عن السياق العام. وهي حملات، كما وصفتها الافتتاحية، تقوم على مضامين فارغة المحتوى وهزيلة الشكل، وتفتقر إلى أي طرح بديل أو رؤية سياسية مسؤولة، ما يجعلها أقرب إلى محاولات هدم رمزي منها إلى نقد مشروع.
غير أن الرهان الأساسي لهذه الحملات يصطدم بوعي المجتمع الجزائري، الذي خبر تاريخيا محاولات الاختراق والعبث باستقراره. فالتجربة الوطنية، بما تحمله من تضحيات وذاكرة جماعية ثقيلة، أسست لدرجة عالية من اليقظة السياسية، تسمح بالتمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات الاستهداف المقصود للأمن والسيادة.
وفي هذا الإطار، شدد رئيس الجمهورية على أن الشعب الجزائري حر وسيد وسيبقى كذلك رغم محاولات بعض الجهات في الخارج استهداف هذه السيادة، وهي رسالة سياسية مباشرة تؤكد أن السيادة الوطنية تمثل خطًا أحمر لا يقبل المساومة. ويتقاطع هذا الطرح مع ما أكدته مجلة الجيش بشأن إدراك الجزائريين لخبث مرامي الجهات المعادية لمصالح الوطن ومن يدور في فلكها.
وعليه، يمكن القول إن الجزائر تخوض اليوم مسار إعادة تموقع استراتيجي، داخليا وخارجيا، يدار بمنطق الدولة لا بمنطق رد الفعل. وتبدو الحملات التضليلية، مهما اشتدت حدتها، مجرد زوابع ظرفية محكومة بالفشل، لأنها لا تستند إلى وقائع موضوعية ولا تمتلك القدرة على تعطيل مسار تحكمه خيارات سيادية طويلة الأمد.
إن التحدي الحقيقي، سياسيا، لا يكمن فقط في تفكيك خطاب التشويش، بل في مواصلة تعزيز الحوكمة، ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتكريس معادلة الأمن والتنمية كركيزة أساسية لحماية الجبهة الداخلية. فجزائر اليوم، وهي تمضي بثبات في مسار البناء، تؤكد أن الضجيج العابر لا يصنع مستقبلًا، وأن “سحابات الصيف” سرعان ما تتبدد أمام صلابة دولة اختارت الاستقرار والإنجاز نهجا لا رجعة فيه.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا