رئيسة مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى "سيدي الشحمي"، الدكتور "سارة بن حراث":

“علينا تقبل المرض العقلي كباقي الأمراض”

0
1508
لا تنفي رئيسة مصلحة الأمراض العقلية الكبار -أ-، بمستشفى الأمراض العقلية “سيدي الشحمي” بوهران، الدكتور “سمرا سارة بن حراث”، قدومها كطبيبة من مجتمع جزائري بحت ولها نصيبها كغيرها من أطباء نفسانيين ومختصين في الأمراض العقلية من الثقافة والثقافة الدينية والأعراف والمعتقدات المجتمعية، التي تظهر في ممارساتنا اليومية، على أنها عادات الجدات، كمنع الاستحمام بعد المغرب، عدم تخطي مجاري الصرف… حماية من الجن وإمكانية إلحاقه الضرر بمن يقوم بمختلف تلك التعاليم التي مازالت موجودة منذ القدم ومسايرتها للتطور التكنولوجي الرهيب.
وكان للموقع الإخباري “نيوز الجزائر” فرصة الحديث معها لإماطة اللثام عن موضوع يشكل حساسية في مجتمع يصطدم فيه العلم بالمعتقدات وحتى الدين حول كيفية التعامل مع الشخص الذي يفقد أعصابه ويتعرض لاضطرابات سلوكية ويفقد عقله، مما يجعل الكثير من العائلات تلجأ إلى الرقية، التبرك بزيارة مراقد أولياء الله الصالحين… إلخ. بيد أن الدكتور “بن حراث” بدت من خلال حديثها متمكن جدا ومتحكمة في الموضوع وتتفاعل بإيجابية مع أهل المرضى بمصلحتها، من خلال فتح باب النقاش وتقبل معتقداتهم والعمل على إلغائها بأسلوب منطقي وحذق، التي غالبا ما تركز على العين، الحسد، الجن أو هاذوك الناس…
الأمراض العقلية وصمة عار”… فكرة خاطئة في المجتمع
وعن انتشار الأمراض العقلية، فقد أكدت الدكتور “بن حراث” أن التفكير بأن “الأمراض العقلية وصمة عار” في المجتمع من الأسباب المهمة التي تجعل الالتحاق بالمستشفى لعلاجه صعب، في وقت يتم تقبل الذهاب للأولياء الصالحين والرقية…..
وأردفت ذات المتحدثة إلى موقع “نيوز الجزائر”، أنه حان الوقت لجعل “الأمراض العقلية عادية مثل أمراض السكري، السرطان، ضغط الدم….”، إنما فقط تحتاج إلى احتواء عائلي يساعد المريض على تجاوز محنته لأن الأمراض العقلية أصلا من أسبابها الأمراض العضوية وخلل الهرمونات. موضحة أنه إذا اعترفنا أن اضطرابات السلوك هي مرض ويمكن علاه عند الطبيب لن نصل إلى درجة الحديث عن الجن، خاصة وأن هذا المرض له أعراض تظهر مع ميلاد الطفل وتدخل بعضها ضمن عوامل الوراثة، ما يعني أنه على الأولياء التفاعل مع التغيرات التي تظهر على سلوم الطفل من البداية، لأن كل استهتار أو تهميش لها يزيد من تأزيم الحالة العقلية والنفسية للطفل بمرور الوقت ويصعب العلاج بعد بلوغه.
عدم التقرب السريع من الطبيب يعقد الحالة المرضية ولكن… !!!
أكدت الدكتور “بن حراث” أنها لا تعارض ثقافة المجتمع الجزائري الذي تنتمي إليه، إنما تجتهد لتصحيح أفكاره من خلال اتباعها المنطق والعقل والعلم، لأن الإشكال يمكن في بناء الإنسان الذي ترعرع على هذا الفكرة.
مردفة أن اعتقاد الفرد وشكه في إساءة محيطه له سواء أهله أو مقربيه يجعله مهوسا بإصاباه بالعين، السحر، الحسد… ما يجعله لا يفكر في التواصل مع الطبيب، وإنما يتجه للعلاج بالطرق التقليدية وفق الأعراف والعادات والتقاليد، بالذهاب إلى الراقي، مراقد الأولياء الصالحين، المختصون في القضاء على العين والحسد… ما يجعل وضعه العقلي يتفاقم ونسبة العلاج الطبي تنخفض، إلى أن يفعل تماما وتتعقد حالته الصحية فيتم توجيهه إلى مصالح الأمراض العقلية لتلقي العلاج وهو ما يجعلنا نواجه حالات يصعب شفاؤها نظرا لتدهورها. بينما يحدث وأن يشفى المصاب عند قيامه بالاستشفاء بالطرق التقليدية، وهذا ما يسميه الأطباء “حالة قلق ناجمة عن فكرة في المجتمع”، مثلا كأن يقول: “أنا متعبة ومرهق” من الناحية العلمية احتمال وجود تعب صحيح، لكن هناك تخير لديه القبول فكرة أن سبب ذلك هو تعرضه إلى عين أصابته، وعوض الذهاب للطبيب يقوم بتصرفات تقليدية تجعل يستعيد عافيته، بينما في المقابل، هناك شخص آخر تعرض لنفس الحالة لكنه اتجه للطبيب وحصل على فيتامين فقط واستعاد نشاطه وشعر بالراحة بمجرد الحديث مع الطبيب، هاتين الحالتين تحيلاننا على فئتين من المجتمع: فئة تؤمن بالعلاج الروحي والوصفات الشعبوية، وفئة ثانية تؤمن بالطب الحديث والعلاج الدوائي. ومنه تكون النتيجة هي أن العلاج يتوقف على “الوعي عند الإنسان”، عندما يكون الفرد واع بالحالة التي هو عليها تكون هذه أولى خطوات العلاج. موضحة أن الفرد إذا كان له وعي باضطراب في السلوك لأنه استهلك مثلا مخدرات، سيقول أنه منذ بدأ في استهلاكها بدأ يتعرض لاضطراب في السلوك عند شعوره بالحالة إليها، هذا يسمى “وعي”، وهو الذي يدفعه إلى زيارة الطبيب أو المصالح المختصة لتلقي العلاج، و مصلحة الأمراض العقلية تستقبل يوميا حالات كهذه تأتي من أجل العلاج الطوعي. الدكتور “سارة بن حراث” تعتبر أن وعي المريض بنسبة 10% من حالته تعتبرها أول خطوات العلاج التي تسهل التفاعل مع المريض وعلاه نهائيا، لأنه يتقبل أعراضه ونصائح الطبيب ويتفاعل مع ما يجب عليه القيام به لتفادي السقوط في فخها مرة أخرى. وتأتي حالات أخرى ضيعت وقتا طويلا في البحث عن العلاج عند الرقاة، أولياء الله الصالحين، المشعوذين…. لكنهم لم يشفوا وإنما ساءت حالتهم أكثر حتى يصل الأمر بهم إلى الصراخ، التعري، السب، الضرب… ويتم التعامل معهم بكل ثقة علمية وطبية، تضيف ذات المتحدثة، التي أكدت أنها لا تعترض على فكرة أهل المرضى الذين يبدون تعصبا لفكرة “العلاج الروحي” بزيارة الأولياء والقيام بطقوس شعبوية، ليس تصديقا لهم وإنما لجعلهم يقتنعون بإمكانية قيامهم بذلك، لكن عليهم السماح لهم كأطباء بالتكفل بمريضهم على مستوى مصلحتهم، ومساعدته طبيا على الأقل إبقائه مدة شهر للعلاج الدوائي وبعد فترة غالبا ما يتجاوب المريض مع علاج الأطباء ويظهر تحسنا في سلوكه وصحته النفسية و العقلية، ما يجعل أهله يتدارك الوضع ويقر بأن الطب الحديث هو الأصح بعدما كانت فكرتهم أن جِنّا أصابه، ويتم اغتنام الفرصة لتوضيح مدى فعالية الطب الحديث لاسيما وأن العلاج مجانيا بينما كانوا سيصرفون الكثير من المال هباء على عادات وتقاليد لا تفيد، بينما هناك البعض ممن يصرون على القيام بتلك الطقوس رغم نجاح العلاج الطبي، وهناك لا يتم اعتراضهم بل يتم التأكيد عليهم على الاستمرار في أخذ الدواء ومراجعة المراقبة الطبية بانتظام.
العلاج لا يتم فقط بالدواء وإنما بالإيحاء
تكشف الدكتور “بن حراث” المختصة في علاج الأمراض العقلية بأن العلاج في هذه الأمراض لا يستند على أخذ الأدوية فقط وإنما يكون كذلك بالإيحاء، من خلال مخاطبة جانب اللاوعي من عقل المريض.
حيث تعالج حالات الهيستيريا مثلا بالإيحاء، لأن المصاب يكون مهيأ مسبقا نفسيا، يقول عندما مررت بإمكان الفلاني أصبت بشلل أو اضطراب في أحد أعضائه، وهو ما يحدث فعلا لأن عقله الباطن أعلمه مسبقا بأنه إذا مر من هناك سيحدث له ذلك، وعند نقله إلى الولي الصالح أو القيام بطريقة تقليدية شعبوية حصل على الشفاء وعاد لحالته الطبيعية، هذه الأمور موجودة في المجتمع، وعلميا هي أن العقل الباطن (اللاوعي) هو الذي يحفز العقل الواعي ويقنعه بالفكرة فيتبناها ويقنعه بتنفيذها فتحدث، مشيرة إلى أن هذه الطريقة يلجأ إليها هم الأطباء وقد نقلها عنهم هؤلاء الذين يدعون العلاج بعيد عن العلم والطب الحديث وغالبا ما يفشلون فيها لأنهم لا يتقنونها.
إصابات الجن، العين والسحر… ثقافة منتشرة بالغرب
في الوقت الذي نُتَّهَم فيه كمجتمع متخلف يصدق ضرب الجن، السحر، العين… وغيرها، بينما الغرب لا يعترف بهذه الطقوس الشعبوية، نجد مسلسلات وأفلام وكتب تتناول هذه الظواهر المجتمع يا بشكل مفصل من طرف أخصائيبن أجانب وتطبيقات رقمية جعلتها وسائل التواصل الاجتماعي أكثر انتشارا واستقطابا للمهتمين وحتى الفضوليين، تكشف الاهتمام الكبير الذي يوليه الغرب لهذا الموضوع رغم محاولة إنكار البعض من بني جلدتنا لذلك.
وفي هذا الشق من الموضوع، تقول الدكتور “سمرا سارة بن حراث”، رئيسة مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى الأمراض العقلية”سيدي الشحمي”، أنها على غرار زملائها كثيرا ما احتكوا بزملاء يدرسون بالغرب ويمتهنون الطب هناك، أنهم يؤكدون أن نفس الأسباب والأفكار المجتمعية عندهم مثلنا تماما، على غرار الإصابة بالعين، الحسد، السحر، الجن… وحتى بعض العقائد الدينية، مشيرة إلى أن الدراسات العلمية أثبتت أن الأمراض النفسية لها نسبة كبيرة من الوراثة، وإنما أي شخص يتعرض إلى دراسة لجيناته، تظهر الأعراض لكن ذلك لا يعني أنه مريض، وإنما زيادة على الأعراض الجينية تكون صدمات نفسية واضطرابات في العلاقات الاجتماعية و القلق وغيرها من الأسباب التي تتفاعل جميعها فيصبح الفرد مريضا.
واختتمت الدكتور “سمرا سارة بن حراث”، رئيسة مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى الأمراض العقلية سيدي الشحمي” حديثها مع موقع “نيوز الجزائر” بتأكيدها أن الفرد له أفكاره ومعتقداته وتبقى هذه التقاليد مصاحبة لنا منذ القدم وليست وليدة اليوم، إنما الطب الحديث يسعى للقضاء عليها بالدليل والعلاج الحقيقي لتلك الأمراض، من خلال نشر الوعي بأن الطب الحديث تطور وأصبحت لديه مسارات عديدة تفتح الباب واسعا لتوفير العلاج وبشكل مجاني، لاسيما وأنه مرض يمكن التشافي منه وبالتالي تقبله بشكل عادي والتفاعل معه مثل باقي الأمراض، حتى يشفى المصاب نهائيا ولا يتعرض لانتكاسة جديدة بفعل سلبية المجتمع.
أعده: محمد فادي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا