بحلول 13 فيفري القادم تكون قد مرت 24 سنة على مغادرة الملاك “حورية بوريش” نحو بارئها، عن عمر 26 سنة في حادث مرور وهي في الطريق إلى عملها كمضيفة طيران في الخطوط الجوية الخليفة، تاركة خلفها إرثا مجتمعيا مازالت آثاره إلى اليوم.
رحلت الملاك “حورية” وهي في عمر الزهور لكن طيفها مازال حاضرا بذكريات بنات مركز البنات المسعفات بمسرغين بولاية وهران، اللواتي عايشتهن وتقاسمت معهن بيتها العائلي وأجواء المركز حين كانت تزرهن وتمضي معهن كل أوقات فراغها. فقد كانت “حورية بوريش” تنتمي لعائلة عنوانها “التطوع والعمل الخيري”، وضعت أسسه والدتها التي كانت إطارا بمؤسسة النسيج بولاية وهران، وكانت تقوم بمساعدة والتكفل بزملائها من العمال الذين يتعرضون لحوادث العمل أو يمرضون أو أحد من عائلاتهم البعيدة ويدخلون المستشفى، دون أن تنتظر مقابلا ماديا أو معنويا، وبعدها أصبحت تزور المراكز الخاصة بالفئات الهشة التابعة لمديرية النشاط الاجتماعي لولاية وهران، غير أنها ركزت على اصطحاب أبنائها معها، لاسيما “حورية ورفيق”، اللذين إندماجا في الوسط الاجتماعي وأصبحا مولعين بتقديم المساعدة للغير، كما أصبحا يعتبران نفسيهما جزء من عائلة تلك الفئات، وقد كانت بعض الفتيات من مركز البنات المسعفات بمسرغين تقضي جل أوقاتها بالبيت العائلي ل”بوريش”، ما خلق رابطا قويا بين الطرفين، وكانت “حورية” البنت الوحيدة في عائلتها لا تشعر بالوحدة لأنها كسبت عدة أخوات واستمرت علاقتها بهن حتى وهي شابة بعدما بمقاعد العمل، لتصبح مشاركة فعالة في العمل التطوعي ترافق والدتها أو شقيقها كلما تواجدت بالبيت ووجدت وقت فراغ. فقد ترك رحيلها فراغا كبيرا لدى البنات المسعفات لأن ما كان يجمعها بهن أكبر من المساعدة المادية، لقد كن كفتيات تتقاسمن الأسرار والحكايا كشقيقات، مازالت إلى اليوم تذكرها البنات اللاتي مازالت تتواصل مع عائلتها أحيانا للاطمئنان على الوالدة رغم أن بعضهن تزوجن وأسسن أسر، ومازالت قصتها تروى لأبنائهم كدروس في حب الخير الغير وأهمية تقديم المساعدة لمن يحتاجها، فقد ترفض أن تحتفل وحدها وحتى الاحتفاظ ببعض أمورها الشخصية لاسيما ألعابها وهي صغيرة فقد كانت تفضل مشاركتها مع البنات، فلم تشعر يوما أنها بنت وحيدة لأنها كانت محاطة دوما بالبنات….
رحيل “حورية” جعل شقيقها “رفيق” وهو الذي أتم بحلول هذه السنة، 30 سنة من العمل التطوعي يواصل ما بدأه معها منذ طفولتهما، ويبقى أخا وسندا لفتيات المركز إلى جانب نزلاء باقي المراكز، فلم يقتصر نشاطه على جلب الهدايا لهم فقط وإنما تعداه إلى توفير تكوينات للبنات سواء بمركز قمبيطة في مجال الحلاقة بشهادات معترف بها أو مسرغين أين أنشأ حماما خاصا لهن من أجل الاهتمام الجيد خاصة بالبنات اللاتي تعاني من إعاقات جسدية أو ذهنية، كما أنشأ مكتبات بمختلف المراكز وهيأ مساحة لعب لأطفال مركز الطفولة المسعفة ذكور ودعمها بمسبح، إلى جانب إنجاز حمام للرجال بدار الرحمة بمسرغين، إضافة إلى توسيع نشاطه خارج مراكز الفئات الهشة التابعة لمديرية النشاط الاجتماعي وتوجهه لتقديم المساعدة للعائلات المحتاجة والفئات الهشة بالمجتمع، وصولا إلى تأسيسه لجمعية “إيثار” في 2021، التي سمحت له بإمضاء عقود تعاون مع بعض المؤسسات الصحية من أجل التكفل بهذه الفئات على غرار عيادة لطب العيون وأخرى للكشف بالأشعة ويسعى لإمضاء عقود أخرى في الصحة ومجالات أخرى، في الوقت الذي يعمل على مساعدة أرباب العائلات المحتاجة في سوق العمل من خلال ضمان تكوينات وتربصات تسمح لهم بالحصول على مناصب عمل توفر لهم مداخيل تقيهم الفقر، في انتظار تجسيد مشروع “البنك الغذائي” الذي سيكون أهم مشروع تطوعي له والأول وطنيا يحفظ كرامة المحتاج أمام المجتمع وحتى عائلته.
يذكر أن توسع النشاط التطوعي لعائلة “بوريش” مازال مستمرا بفضل دعم المحسنين وفاعلي الخير لاسيما أولئك الذين يرفضون الظهور، في الوقت الذي يعتبر “رفيق” أن العمل التطوعي هو “رد جميل” للمجتمع، واعتراف بمجهودات الغير في أي مجال كان تجسيده، سواء فردي أو جمعوي كالحملات التطوعية التشجير، النظافة… أو مساعدة الأشخاص. في الوقت الذي تستمر الوالدة الكريمة في نشاطها الخيري رغم تقدمها في العمر ومرضها إلا أنها تصر على أن تكون هي القائمة على توظيب قفة رمضان، المساعدات الغذائية، الأدوات المدرسية، الملابس….
ويبقى العمل التطوعي أفضل نشاط لتهذيب النفس وتوازن الحالة النفسية للفرد وعلاج داخلي كونه يخلق الفرحة في نفس القائم به وهو يرى الابتسامة على وجه المحتاج أو تغير المنظر إلى لوحة جمالية.