سياقات ومعاني..

تحولات الاستخدام الرقمي وتحديات مصداقية الخبر

0
667
تُظهر المؤشرات الرقمية المتداولة حجم الفرق الذي أصاب الوساطة المهنية في مجال الإعلام، وفتح المجال على مصراعيه أمام الأخبار الزائفة وأشكال التضليل المنظم، في ظل تحوّل الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي إلى المصدر الأول للمعلومة لدى فئات واسعة من المواطنين، وهيمنة منصات رقمية واسعة الانتشار، على غرار فيسبوك وتيك توك، كفضاءات رئيسية لتداول الأخبار دون وساطة مهنية كافية.
ويشكّل هذا المعطى المقلق الخلفية العامة للنقاشات حول محاربة الأخبار الزائفة وتقاطُع المقاربات والرؤى بشأنها، حيث تُبرز المعطيات أن أزيد من ثلاثة أرباع الجزائريين يستعملون الإنترنت، فيما يعتمد أكثر من نصفهم على شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، مقابل تراجع ملموس لدور الصحافة الورقية.
وفي هذا السياق، يتم التأكيد على أن التصدي المستدام للتضليل لا يمكن أن يتم عبر حلول تقنية ظرفية أو مبادرات معزولة، بل يقتضي تحركًا عموميًا منسقًا يقوم على المسؤولية المشتركة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والفاعلين الرقميين والمجتمع المدني، مع احترام الحريات الأساسية، وتعزيز التقنين، وتقوية أخلاقيات المهنة، وتعميم التربية على الإعلام والدراية الرقمية، خصوصًا في أوساط الشباب الأكثر تعرضًا للمحتوى المضلل الذي يُنتَج ويُروَّج بمنطق ربحي قائم على اقتصاد الانتباه.
ومن الذاكرة القريبة، يجرى استحضار نماذج دالة من الأخبار الزائفة التي رافقت جائحة كوفيد-19، إلى الإشاعات التي صاحبت حرائق الغابات صيف 2021، فضلًا عن البلاغات والمحتويات المفبركة المنسوبة زورًا إلى مؤسسات رسمية، وهي ممارسات كشفت هشاشة الفضاء الرقمي وخطورة التضليل على الثقة المجتمعية وسير المؤسسات.
الأخبار الزائفة لم تعد مجرد إشكال مهني، بل أضحت تهديدًا مباشرًا للثقة المجتمعية وللسير العادي للمؤسسات، وهو ما تم تناوله بالتفصيل والبدائل خلال جلسة سماع وزير الإعلام والاتصال بالمجلس الشعبي الوطني، حيث تم التأكيد على أن محاربة التضليل تُعد جزءًا من إصلاح شامل لمنظومة الإعلام، يقوم على دعم الصحافة الجادة، وضمان الحق في الولوج إلى المعلومة، وتعزيز التربية الإعلامية.
كما تركز مداخلات مهنية وأكاديمية على الدور المحوري لوكالات الأنباء والإعلام السمعي البصري في حماية موثوقية الخبر، من خلال آليات التحقق والتدقيق والتنسيق، إلى جانب التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الممارسة الصحفية، حيث لم يعد الرهان تقنيًا فقط، بل مهنيًا وأخلاقيًا بالدرجة الأولى.
ويخلص هذا التوجه إلى أن محاربة الأخبار الزائفة لم تعد شأنًا إعلاميًا صرفًا، بل تمثل معركة ديمقراطية ومجتمعية شاملة، تتطلب بناء إعلام مهني قوي، ومواطن ناقد، وسياسات عمومية واعية بحجم التحولات الرقمية وتأثيرها المباشر على الوعي العام.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا