أشرف وزير الشؤون الدينية والأوقاف يوسف بلمهدي، الاثنين، على افتتاح أشغال ندوة “الحريات الدينية، الحماية والضمانات” في طبعتها الرابعة تحت شعار “الحريات الدينية، المكسب الدستوري وآليات التجسيد”.
وفي كلمته التي ألقاها بالمناسبة أكد السيد الوزير أن الحرية الدينية هي أصل من أصول الوجود الإنساني، وهو حق أودعه الله له قبل نشأة الدول وسنّ القوانين فيها، وهذا من خلال الشرائع المنزّلة التي جاءت لتضفي صبغتها الإلهية وسموّها الروحي على هذا الحق، عملاً بقوله تعالى: “لا إكراه في الدين”. فالإنسان كاملُ الحرية في ممارسة شعائره بكل حرية وأمان دون اعتداء على النفس والمعتقد، فديننا الحنيف جعل من حرية الإنسان في المعتقد شأنًا مقدسًا لا يجوز تعدّيه، من خلال الأمر بحفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، فجعلها من الأصول الكلية والمقاصد العامة التي تتأسس عليها ضروريات الحياة.
فكل الشرائع والأديان ومنها الوصايا العشر في بعض الإنجيل تتفق على حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل.
وفي ذات السياق أكد السيد الوزير أن الجزائر لن تحيد عن المبدأ الأصيل الذي سنّه نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم في وثيقة المدينة عندما أمَّن أهل الكتاب في أنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم تجسيدًا لمبدأ التعايش السلمي في صورة من صور المواطنة، فكانت الجزائر بذلك عبر تاريخها الطويل أرض الحريات والتنوع الثقافي والديني وملتقى الأعراق والثقافات والمعتقدات، بمواقفها الخالدة التي سجلها التاريخ مظهرًا للعالم وجهها السمح الطلق، فكانت ولا تزال تراثًا حيًا لهذه القيم عبر القرون من خلال صون الكرامة الإنسانية واحترام المعتقد دون التفريق على أساس ديني أو لوني أو معتقدي. وهذا ما أسست له الرؤية الحقوقية لمؤسس ومنشئ الدولة الحديثة الأمير عبد القادر من خلال الدفاع عن إخوانه المسيحيين في أرض دمشق، نستشفّ منه ما يسمى القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو الأمر ذاته الذي تجسد في ثورة التحرير حينما حاربت المستعمر دون المساس برجال الدين.
كما أبرز السيد الوزير من جهة أخرى عظيم جهود الجزائر السياسية والقانونية في هذا المسعى من خلال الدساتير والقوانين التي أطّرت ونظّمت وحمت الممارسات الدينية في الجزائر، كما ساهمت في حماية وترميم دور العبادة، من بينها كنيسة سانت أوغسطين ومقر الأسقفية بعنابة، وكنيسة سانتا كروز بوهران، ومؤخرًا الانطلاق في مشروع تهيئة وترميم كاتدرائية القلب المقدس بالجزائر العاصمة بحضور وزير والي ولاية الجزائر وصاحب النيافة الكاردينال جون بول فيسكو، وهذا تحت الرعاية السامية للسيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
كما أوضح السيد الوزير أن هذه الجهود المبذولة تؤكد بأن الجزائر ليست بلدًا يرفع هذه الشعارات ليتلوّك بها في الفضاءات الإعلامية، ولكنها ممارسات فعلية في علاقاتها الدبلوماسية، تجسيدًا لرؤية الدولة الجزائرية التي تؤمن بأن السلم العالمي يبدأ من احترام المعتقد الديني، وأن حوار الأديان سبيل لصناعة مستقبل أكثر عملاً ورحمة.
كما وضّح السيد الوزير أن دائرته الوزارية، بمعية اللجنة الوطنية للشعائر الدينية لغير المسلمين، تعمل بتوجيه من السيد رئيس الجمهورية على ترسيخ هذا المنهج الإنساني وإشاعة قيم السلم والتسامح والوئام لكل المواطنين، وترسيخ مبدأ الاحترام الذي ينسجم مع الدين المعتدل الذي يرفض كل أشكال التطرف والعنف ويحارب الجريمة بأنواعها. وهذا يتحقق من خلال محاربة تحدّيين: أولهما الإلحاد واستدبار السماء وترك الإيمان والعقيدة، وثانيهما التفسخ الأخلاقي الذي يشير إلى أشياء بعيدة عن فطرة الإنسان.
وختامًا أكد السيد الوزير مجددًا أن وطننا الجزائر يعد نموذجًا محترمًا وموقرًا للتعايش السلمي بين الأديان والثقافات، وأننا نؤمن أن الدور والرسالة واحدة في بناء عالم يسوده الأمن والاستقرار، وأن القيمة الإنسانية المشتركة قادرة على هدم الجدران وبناء جسور تتجاوز بها المشكلات.
كما ثمّن السيد الوزير كل نداء يعزز ثقافة السلم والإيمان والتقارب، كما دعا إلى تفعيلها على أرض الواقع عبر برامج ومشاريع علمية تخدم الإنسان في كل مكان.