شخصيات في الواجهة..

إبراهيم بوغالي… حين تصبح رئاسة البرلمان فعلَ ذاكرة ومسؤولية

0
735
في أعقاب حراك شعبي أعاد طرح سؤال الثقة ومسار إعادة البناء المؤسساتي إلى الواجهة، تبلورت تجربة إبراهيم بوغالي في قيادة المجلس الشعبي الوطني. لم تكن رئاسته مجرد عهدة إدارية عابرة، بل مسارًا هادئًا تشكّل على وقع مرحلة وطنية دقيقة، عمل خلالها على إعادة الاعتبار لدور البرلمان داخل معادلة الدولة، مستندًا إلى منطق الفعل المؤسسي لا إلى إغراءات الخطاب الظرفي.
منذ توليه رئاسة المجلس، بدا واضحًا أن الرجل اختار أن يقود من داخل النص الدستوري، وأن يجعل من البرلمان فضاءً للتوازن والحوار لا ساحةً للتجاذب. ففي قبةٍ تتقاطع فيها الرؤى وتتنوع الانتماءات، اعتمد بوغالي لغة مختلفة: لغة الإصغاء، وضبط الإيقاع، وإدارة التعدد. ولم تكن صفات إنسانية مثل التواضع، والهدوء، والقدرة على الاستماع مجرد ملامح شخصية، بل أدوات فعل سياسي أسهمت في بناء الثقة، وجعلت من رئاسة المجلس موقعًا جامعًا لا إقصائيًا.
على المستوى الداخلي، أعاد بوغالي الاعتبار لوظيفة البرلمان في بعدها الدستوري المزدوج: التشريع والرقابة. فقد عمل على تنشيط العمل التشريعي من خلال تنظيم اللجان الدائمة، بالموازاة مع تأطير منسجم ومرافق لها عبر اجتماعات الكتل البرلمانية، ما ساهم في تحسين وتيرة دراسة مشاريع القوانين، ومعالجة النصوص القانونية بمنهجية أدق. وبالتوازي مع ذلك، أولى أهمية خاصة للعمل الرقابي على أداء الحكومة، عبر تفعيل آليات المتابعة، وطرح الأسئلة البرلمانية، وتنظيم جلسات السماع والأيام البرلمانية والزيارات الميدانية، في مقاربة تقوم على المسؤولية والتكامل لا على الصدام.
وإدراكًا منه بأن تحديث الأداء لا ينفصل عن تحديث الوسائل، شهد المجلس خلال عهدته تقدمًا ملموسًا في رقمنة العمل التشريعي والإداري، ما أسهم في تحسين إدارة الوثائق، وتسهيل تداول المعلومة، وخلق بيئة عمل أكثر انتظامًا وفعالية.
وفي مشهد سياسي متنوع، برزت قدرة بوغالي على إدارة التوازنات داخل البرلمان، خاصة وهو القادم من قائمة حرة، حيث أبدى انفتاحًا واضحًا على مختلف المبادرات السياسية الصادرة عن الكتل النيابية، ونجح في الحفاظ على خيط التوافق دون التفريط في استقلالية المؤسسة.
ويُحسب له أيضًا أنه أعاد فتح ملف النظام الداخلي للمجلس، بعد تعثره في عهدات سابقة، وأدار النقاش حوله بحنكة سياسية وصبر مؤسسي، أفضيا إلى تجاوز الانسداد وترسيخ منطق العمل البرلماني المنظم. وفي الوقت ذاته، عمل على إرساء تكامل مؤسساتي متوازن مع الجهاز التنفيذي، دون المساس بمبدأ الفصل بين السلطات، ما عكس فهمًا عميقًا لدور البرلمان داخل البناء الدستوري للدولة.
خارجيًا، تحرّك بوغالي في فضاء الدبلوماسية البرلمانية بهدوء محسوب، موسّعًا حضور الجزائر في المحافل الإقليمية والدولية. فمن خلال مشاركته الفعّالة ورئاسته لأطر داخل البرلمان العربي، ساهم في تقريب وتوحيد المواقف العربية حول القضايا المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما فتح نقاشات حول ملفات تمثل تحديات متباينة في واقع العالم العربي. وحضرت كذلك قضايا إقليمية، من بينها قضية الصحراء الغربية، ضمن مقاربات برلمانية متزنة تراعي السياقات وتحفظ الثوابت. وقد تعزز هذا المسار عبر تفعيل لجان الصداقة مع برلمانات من مختلف القارات، ما أعاد للمجلس الشعبي الوطني مكانته كشريك مؤسساتي يحاور العالم بلغة المؤسسات البرلمانية.
غير أن ذروة المسار جاءت مع طرح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للنقاش العلني داخل قبة المجلس الشعبي الوطني، بعد تسيير منهجي ومنفتح، قائم على مشاركة واسعة ومضبوطة في معالجة الملف. لحظة مفصلية أعادت للبرلمان صوته في قضايا الذاكرة الوطنية، تعززت بإشرافه ورئاسته للملتقى الدولي حول الجرائم الناتجة عن التجارب النووية في رقان وتسجيل الوقوف عند كل المحطات الوطنية، لتتشكل صورة رمزية عميقة: ذاكرة تُستعاد من داخل المؤسسة، ومسؤولية تُمارس بعيدًا عن المزايدات.
وعقب هذا الحدث بساعات، تم تنصيب برلمان الأطفال لأول مرة، ليكون هيكلًا دائمًا للتواصل مع الأجيال الصاعدة. خطوة حملت دلالة واضحة على أن استحضار الذاكرة لا ينفصل عن الاستثمار في المستقبل، وأن البرلمان في عهد بوغالي لم يكن فضاءً مغلقًا، بل مؤسسة تنفتح على المجتمع وتراهن على الوعي المدني.
بهذا المسار المتدرج، يترسخ حضور إبراهيم بوغالي كرجل مؤسسة قبل أن يكون رجل موقع. تجربة تشكّلت في ظرف وطني حساس، واختارت أن تُراكم بهدوء، وأن تُنصف الذاكرة دون ضجيج، وأن تُحدّث الأداء دون قطيعة. وهي رسالة هادئة لكنها عميقة: بناء الثقة يبدأ من المؤسسة، والوطن يُخدم بالفعل المتزن لا بالشعارات العابرة.
يقين نضال

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا