واشنطن تعيد رسم الأولويات..

أوروبا تتراجع وأمريكا اللاتينية في الصدارة

0
570
شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية خلال عهد دونالد ترامب تحولات عميقة، حيث انتقلت البلاد من الالتزام التقليدي متعدد الأطراف إلى نهج قومي يركز على المصالح الداخلية والجوار الإقليمي.
وقد تجسدت هذه التحولات بوضوح في استراتيجية الأمن القومي لعام 2017 و2025، التي ركزت على حماية الوطن وتعزيز الاقتصاد، ومواجهة التهديدات التقليدية مثل الإرهاب والصعود الصيني، مع إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة على مستوى العالم.
في أوروبا، تراجع الاهتمام الأمريكي بالحلفاء، ووُصفت سياساتهم بأنها ضعيفة و”كارثية”، مع حثّ الدول الأوروبية على تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية بعد عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة.
وشهدت ردود الفعل الأوروبية تفاوتًا؛ فبينما أكدت بعض العواصم الكبرى على استمرار الشراكة مع واشنطن، شددت دول أخرى على ضرورة الاعتماد على الذات في الأمن والدفاع، ما يعكس تفاوت قدرة واستعداد الدول الأوروبية على التعامل مع تراجع الاهتمام الأمريكي.
أما أمريكا اللاتينية، فقد أصبحت محور الاهتمام الاستراتيجي، مع سياسة أمريكية أكثر وضوحًا وتدخلًا، وتركيز خاص على الهجرة غير النظامية وأزمات فنزويلا والكاريبي، في محاولة لتوسيع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي والسيطرة على التحديات الإقليمية الحيوية.
الشرق الأوسط، الذي كان محور السياسة الأمريكية لعقود، فقد جزءًا كبيرًا من أهميته بعد أن أصبحت الولايات المتحدة منتجًا رئيسيًا للنفط، مع بقاء الاهتمام محدودًا لمكافحة الإرهاب والحفاظ على استقرار بعض المناطق الحيوية.
وفي أفريقيا، لم تصبح القارة محورًا استراتيجيًا رئيسيًا، لكن هناك تركيز محدد على مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل و”الصحراء الكبرى”، الصحراء الشاسعة التي تمتد على ملايين الكيلومترات. وتكتسب المنطقة أهميتها الاستراتيجية بسبب التحديات الأمنية والسياسية في بعض المناطق، وانتشار الجماعات المسلحة، ووفرة الموارد الطبيعية، مما يجعلها منطقة حيوية لاستقرار القارة وأمن الولايات المتحدة الإقليمي.
كما أصبحت الهجرة غير النظامية تهديدًا استراتيجيًا رئيسيًا في رؤية الإدارة الأمريكية، ما يعكس اعتمادًا على أيديولوجيا يمينية قومية وشعار “أمريكا أولًا”.
وقد انعكست هذه التحولات على مختلف القارات: في أوروبا، كما ذكرنا، تفاوتت ردود الدول بين التعاون المستمر وتعزيز القدرات الذاتية؛ في أمريكا اللاتينية، أصبح الدور الأمريكي أكثر تدخلًا ومباشرة؛ أما في أفريقيا، فظل التركيز محدودًا على الصحراء الكبرى والساحل لمكافحة الإرهاب وحماية الموارد الطبيعية، في ظل تصاعد النفوذ الصيني والروسي.
بإجمال، بين 2017 و2025، انتقلت السياسة الأمريكية من نهج متعدد الأطراف يوازن التزاماتها العالمية، إلى سياسة أحادية وقومية تركز على المصالح الداخلية والجوار المباشر، مع إبقاء المناطق الاستراتيجية الحساسة مثل الصحراء الكبرى ضمن دائرة اهتمام محدودة لكنها حيوية للأمن والاستقرار الإقليمي، ما يعكس إعادة ترتيب جيوسياسي واستراتيجي عالمي قد يؤثر على مستقبل الناتو وأمن أوروبا والتوازن في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
محمد نضال

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا