أكد وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج أحمد عطاف، خلال مشاركته في المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا المنعقد بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال، الأحد، أن انعقاد هذا اللقاء يأتي استجابة للشعار الذي تبنّاه الاتحاد الإفريقي هذا العام تحت عنوان “العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي”، مشيراً إلى أن مسألة تجريم الاستعمار في القارة هي جوهر النقاش ومسعى مشترك نحو عدالة تاريخية لا تسقط بالتقادم.
وأوضح عطاف أنّ التطرق لهذا الموضوع يستدعي استحضار وصية الشهيد ديدوش مراد: “إن سقطنا في ساحة الوغى، فالدفاع عن ذاكرتنا أمانة منا في أعناقكم”، مؤكداً أن هذا الاستحضار ليس بهدف رثاء الماضي أو إذكاء الأحقاد، بل من أجل تسمية الأمور بمسمياتها وإلزام العالم بمسؤولياته التاريخية تجاه ما تعرضت له الشعوب الإفريقية من ظلم واستعباد وجرائم لا يمكن محو آثارها بسهولة. وقال إنّ القارة الإفريقية تدرك اليوم أن معالجة رواسب الاستعمار أصبحت أمراً ضرورياً لمواصلة بناء المستقبل في كنف الكرامة والعدل والإنصاف، وأن مشروع إحقاق العدالة التاريخية الذي تُطلقه اليوم يثبت أن المسيرة النضالية للشعوب الإفريقية لم تتوقف يوماً.
وشدد عطاف على أن حقيقة الاستعمار تتجلى في كونه انتكاسة كبرى في مسار التطور الإنساني، إذ أخرج أمماً بأكملها من مسار صناعة التاريخ وحرمها من استكمال بناء دولها الوطنية وبسط سيادتها على مقدراتها. وأضاف أن الاستعمار لم يكن مهمة حضارية كما رُوّج له، بل كان سطواً ونهباً وافتراساً، وارتكب في إطار مشروعه كل الجرائم الكبرى المعروفة دولياً من عدوان وجرائم ضد السلم والإنسانية وجرائم حرب وإبادة. وأكد أن الاعتقاد بأن الذاكرة الإفريقية ستندثر هو وهمٌ لا أساس له، لأن الذاكرة الجماعية للقارة لا تنسى ولا تقبل النسيان بالنظر إلى ما تعرضت له مختلف شعوبها من مآسٍ كبرى، سواء في الكونغو أو الكاميرون أو ناميبيا أو غيرها من البلدان التي شهدت أبشع الصور الاستعمارية من إبادة، واستعباد، وحرق للقرى، وتهجير، وتجارب بالغازات السامة، وقمع وقتل وتدمير.
وأوضح الوزير أن الجزائر تُجسد النموذج الأكثر قسوة في التاريخ الحديث للاستعمار الاستيطاني، ذلك الاستعمار الذي لم يكن استغلالاً فقط، بل كان مشروعاً كاملاً لضم وطن غيره لوطنه الأم وإحلال شعب مكان آخر ومحو أمة بأكملها في هويتها وثقافتها ودينها ولغتها. وأشار إلى أن 132 عاماً من الاستعمار الفرنسي كانت 132 عاماً من المقاومة دون انقطاع، و132 عاماً من الجرائم الاستعمارية التي شملت مختلف أنواع القمع والمجازر، منذ حملات الغزو الأولى، مروراً بالزعاطشة والأغواط والقبائل، ووصولاً إلى مجازر 8 ماي 1945 وما عرفته الثورة التحريرية من إبادات وترحيل جماعي طال ما بين مليوني وثلاثة ملايين جزائري. وأضاف أن الصحراء الجزائرية ما تزال تحتفظ في رمالها بآثار التجارب النووية الفرنسية التي خلّفت أضراراً مدمرة على الإنسان والبيئة.
ومن خلال هذا العرض، أكد عطاف أنّ الجزائر تتماهى كلياً مع مقاصد الاتحاد الإفريقي الداعية إلى الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية باعتباره الخطوة الأولى لمعالجة آثار تلك الحقبة، وإلى تجريم الاستعمار دولياً وعدم الاكتفاء بتجريم بعض ممارساته، مستشهداً بقول فرانتز فانون الذي اعتبر الاستعمار عنفاً في صورته الطبيعية. واعتبر الوزير أن التعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة حق مشروع تكفله القوانين والأعراف الدولية، ولا يمكن أن يعوضه خطاب أو وعود أو حسن نوايا.
وختم عطاف بالتأكيد على ضرورة استكمال مسار تصفية الاستعمار، مجدداً دعم الجزائر وإفريقيا لحق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير وفق الشرعية الدولية، ومذكراً بثبات الموقف الإفريقي من القضية الفلسطينية، انسجاماً مع مقولة نيلسون مانديلا بأن حرية إفريقيا تظل ناقصة دون حرية فلسطين.