"مجلس السلام".. مقاربة ترامب لإدارة العالم بمنطق "الصفقات":

هل يمكن لمليار دولار أن يغيّر قواعد اللعبة؟

0
844
يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعادة تشكيل إدارة الأزمات الدولية عبر إطار غير تقليدي أطلق عليه اسم “مجلس السلام”، في خطوة تعكس مقاربته القائمة على منطق الصفقات والمعاملات، لا على الشراكات متعددة الأطراف أو المرجعيات الدولية القائمة.
يقوم المجلس على دائرة ضيقة من المستشارين المقربين من ترامب، ما يمنحه طابعا شخصيا أكثر منه مؤسسيا. وينظر إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإدارة ملفات دولية شائكة – أبرزها غزة- بالأسلوب نفسه الذي طبع سياسات ترامب الداخلية، حيث تُقاس العلاقات بمدى ما تقدمه من مكاسب سياسية أو مالية مباشرة.
ومع تحديد رسم دخول “مجلس السلام” قدره مليار دولار، تتزايد الشكوك حول ما إذا كانت المشاركة تعني الانخراط في مشروع مرجح أن يهمّش منظمة الأمم المتحدة ويجاوز الآليات الدولية القائمة.
ومن هنا، ليس غريبًا أن تظهر بعض الدول مترددة في الإعلان عن انضمامها، إذ يطرح المجلس نموذج إدارة يعتمد على المكاسب المباشرة والتبادل المالي، بما يعكس أسلوب ترامب في تحويل الملفات السياسية إلى صفقات ملموسة، وليس مجرد التزامات دولية أو قيم مشتركة.
تشير مصادر دبلوماسية غربية إلى أن الانضمام إلى هذا الإطار غير واضح المعالم يثير ترددا واسعا، ليس بسبب الملف الفلسطيني فقط، بل نتيجة الشكوك العميقة في نوايا الإدارة الأميركية، خصوصا في ظل سياسات ترامب السابقة تجاه أوكرانيا وجرينلاند، وموقفه النقدي من المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة.
حتى الآن، انضمت عدة دول إلى هذا المجلس، وسط مشاركة نحو عشرين من رؤساء الدول والحكومات في إطار المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، لكن الانضمام لم يكن سريعا أو حاسما، ما يعكس حذر العواصم من تجاوز الآليات الدولية التقليدية.
لا يقدم المجلس حتى الآن تصورا عمليا لآليات الحوكمة أو توزيع الصلاحيات. يُفترض أن يتمتع أعضاؤه التنفيذيون بسلطات مباشرة على الأرض، مقابل هيئة أدنى بلا صلاحيات حقيقية، ما يعمّق حالة الغموض ويثير مخاوف من تهميش الأطر الدولية القائمة.
لقد سبق لإدارة ترامب أن اعتمدت أساليب شخصية لإدارة ملفات دولية حساسة: محاولة إعادة ترتيب الملف الفلسطيني بما يُعرف بـ”صفقة القرن”، إجراء محادثات مباشرة مع كوريا الشمالية بشأن برامجها النووية، والانسحاب من اتفاقيات دولية كاتفاق باريس للمناخ، وأدت هذه السياسات إلى تصاعد التوترات، وإعادة رسم أولويات النزاعات وفق مصالح مباشرة، بدل الالتزام بالقواعد الدولية.
ويرى محللون أن ترامب لا يسعى إلى بناء نظام دولي بديل بقدر ما يسعى إلى فرض نموذج إدارة شخصي للعالم: احترام مقابل امتثال، ودعم مقابل تمويل.
وتراهن بعض الدول الإقليمية على البقاء داخل هذا الإطار لتفادي الإقصاء أو لحجز موطئ قدم في ترتيبات ما بعد الحرب، بينما ترى أطراف أخرى أن المجلس قد يتحول إلى ساحة صراع جديدة تعاد فيها إنتاج الأزمات القديمة، بدل حلّها.
في المحصلة، يعكس “مجلس السلام” رؤية ترامب للعالم بوصفه شبكة من العلاقات التعاقدية، لا منظومة قيم أو التزامات مشتركة، وهي رؤية تثير تساؤلات حول مستقبل إدارة النزاعات الدولية إذا تحوّلت من الاستثناء إلى القاعدة.
يقين نضال

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا