ربوا أبناءكم نفسيا لقد خلقوا لجيل غير جيلكم

0
190

إن من أهمية ما يجب أن يفهمه الأولياء، أنه هناك ما يطلق عليه في علم النفس بالفروقات الفردية، فكل منا له حجم معين من قدرته على استيعاب الأمور وعلى تخزينها في الذاكرة، وعلى قوة استرجاعها عند الحاجة، ولنقيس ذلك على أبنائنا وأطفالنا المتمدرسين، وليعلم الجميع أن هناك فرق بين تلميذ وآخر، لأن كل متمدرس في جميع الأطوار التعليمية من الابتدائي إلى الجامعة هناك صفات يتميز بها البعض دون الآخر، كما هم مختلفون في الصفات الجسمية أيضا فهم يختلفون في المهارات والقدرات الفكرية وقوة احتواء المعلومة وحفظها في الذاكرة، ويختلفون في كيفية إعادتها إلى الواجهة أثناء الاجابة على أسئلة الامتحانات.

وعليه، فعلى أولياء الأمور أن يعلموا أن هناك فروق فردية في العملية التعليمية لدى الطالب أو التلميذ، وهذا المسمى بالفروق الفردية، فهي ظاهرة عادية تنتشر بين التلاميذ المدارس وحتى الطلاب في الجامعات، والاختلاف بين التلاميذ والطلبة وفق مقياس كمي أو نوعي، وعليه لا يحق لا للأستاذ أو المعلم أن يحاسب التلميذ أو الطالب ذوي الفكر المحدود، ولا يجوز له أن يحاسبه على الطبيعة التي فطرها الله الإنسان عليها، أيضا لا يحق بولي أمر تلميذ أن يعنف ابنه على نقطة متوسطة أو ضعيفة تحصل عليها خلال فصل دراسي، بل على الآباء والأمهات التعامل مع أبنائهم الذين تحصلوا على العلامات المتدنية برفق ولين وتحفيزهم على العمل في الفصل الدراسي المقبل، من خلال وعدهم بالجائزة مثلا، أما أن تنهره وتقهره وتتعصب عليه وتغضب منه وتحول عطلته إلى جحيم فهذا ما لا يحق للولي أن يقوم بهذا السلوك المخزي، لأن الكثير من التلاميذ غادروا منازلهم إلى وجهة غير معلومة، لأنهم سئموا من اللوم على سلوك ليس لهم يد فيه، وأعود وأقول أنه حتى وإن كانت النقطة أو العلامة المتحصل عليها ضعيفة من حيث المستوى، وأن هذا التلميذ قادر على أن يحصل على نقطة أعلى أو معدل جيد أو ممتاز، وأن ذلك نتيجة تهاون التلميذ، فلا يجوز قطعا أن يعنف، بل يجب أن يعامل بلين لا بقصوة، ولا نقارنه بإبن عمه أو خالته أو إبن الجيران أو زملائه بالصف، بل لابد من أن نبين له أن التعليم هو من يوضع في قائمة أولوياته، وأن اللعب مع أقرانه يأتي بعد مراجعة دراسته وحل واجباته المدرسية، وأن اللعب في فترات الراحة في المدرسة في فناء المؤسسة يركن جانبا بمجرد أن يدق جرس استئناف الدرس في الفترة الموالية الصباحية أو المسائية، هنا على ولي التلميذ أن يكون حذرا، أيضا نفس الشيء يتوجب على المعلم أن يراعي تلاميذه الذين باستطاعتهم الحصول على علامات جيدة، ولا يوبخهم أو يعايرهم، بل عليه أن يجد حيلة كي يشجعهم حتى يحصلون على علامات جيدة في الفصل المقبل، كأن يقول له باستطاعتك أن تحصل على أعلى علامة لأنك ذكي علامتك لم تعجبني هذه المرة عدني أن تحصل على علامة أعلى منها في الفصل القادم، هنا التلميذ من تلقاء نفسه يحدث حوار يجريه بينه وبين نفسه، ويقول أنا ذكي علي أن أبرهن ذلك لأهلي ولمعلمي ويجعله يواضب على الدراسة لأنه امتلأ بالشحنات الايجابية وانخفض لديه منسوب الشحنات السلبية هنا نخرج جيل واعي ومتعلم.

فعلا، ظاهرة العنف المدرسي تتكرر مع نهاية كل سنة دراسية، والسبب في منظوري أن المشكلة تبدأ من الأسرة التي لم تعد تؤدي دورها كما في السابق، فالتلميذ الذي وصل إلى سب الأستاذ والاعتداء عليه أما لفظيا أو ضربه، فهذه المسألة عرفت منحى تصاعدي يهدد كيان المدرسة الجزائرية وضربها في مقتل، لأن للمعلم أو الأستاذ وللحرم المدرسي حرمة يجب احترامها، وأشير هنا إلى أن العنف المدرسي من المشاكل العويصة التي كثرت واستفحلت جميع الدول، والجزائر من البلدان التي تعرف انتشار لهذه الظاهرة، أيضا للقائمين على المنظومة المدرسية دور كبير في تحمل جزء من هذه السلوكات الخطرة، لأنها لم تعيد هيكلة النظام المدرسي وبقيت على نمط القديم، والزمن تغير بحيث لم يعد ذلك التلميذ في الزمن الجميل، حيث كان يخاف من المعلم أكثر من وليه، فهو يغير الطريق إذا إلتقى بأستاذه ويخاف أن يراه يدخن أو يلعب في الشارع، أما الآن التلميذ لا يفرق بين أستاذه وصديقه الذي يعلب معه أو زميله فأصبح لا يعره أي إهتمام، وهنا يدخل دور المدرسة من خلال توظيف خبراء في علم النفس المدرسي، وأي تلميذ تظهر عليه علامات سلوكية غير سليمة يتم عرضه على أخصائي نفساني للنظر في محيط التلميذ، ربما لديه مشاكل عائلية يعبر عنها بالعنف في المدرسة والاعتداء على الاستاذ، أو ربما تعرض للتنمر من أصدقائه، أو حتى أنه قد يحتاج إلى رعاية خاصة وغيرها من الأمور التي يجب التفطن إليها من طرف المدرسة، لأن ولي التلميذ ربما ليس على ثقافة واسعة حتى يفكر في عرض طفله على أخصائي نفساني، والكثير يعتبر ذلك من العادات السيئة كأن يقول” إبني ليس مجنونا حتى أعرضه على أخصائي نفساني”، ولكن المعلم والمدير وكل من له صلة بالمدرسة يعرف هذه الأمور.

وهنا ظاهرة آمن بها الكثير من أبنائنا التلاميذ، أنهم يعتقدون أن الفصل الدراسي انتهى بمجرد أن تحصل على نقاط امتحانات الفصل الأول مثلا، وتجده يغيب عن الدروس، وهنا لابد على الأستاذ أن يعلن للتلاميذ أن الفصل الدراسي ينتهي بمجرد أن يأخذ العطلة الشتوية أو الربيعية، وأنه لا يحق له الغياب بمجرد الانتهاء من الفصل الأول، أيضا على الأولياء أن لا يأخذوا أبنائهم والسفر بهم إلى البيت الكبيرة حيث الجد والجدة، وهم لم ينتهوا من الفصل الأول، ويقولون ” لقد تحصل على المعدل الفصل الأول وكفى” بل أقول لهم أن هناك من الأساتذة من يبدأ الفصل الثاني بعد امتحانات الفصل الأول حتى يكون لهم متسع من الوقت ولا يهدر الساعات هكذا، بل يريد أن يستفيد منها التلميذ، وهذه الظاهرة لها صور واضحة.

من الناحية النفسية، قد يكون التلميذ أنهك نفسه طول الفترة الدراسية في المراجعة والذهاب والإياب من المدرسة فأحس بالتعب وهو بمجرد أن استكمل جميع فحوصه المدرسية، وحصل على معدله الفصلي يرغب بأخذ عطلة غير نظامية، وعلينا أن نصحح له هذه النظرة حتى لا يقع فيها مستقبلا.

وكأخصائي في علم النفس أقول لأولياء التلاميذ والأستاذ أو المعلم أن يتعاملوا مع التلميذ بذكاء فائق، لأن التلاميذ ليسوا على قدر متساوي من الفكر، فكل تلميذ يتحرك وفق الفطرة التي فطرها الله عليها، وأيضا أن يتعاملوا مع التلاميذ سواء المعلم أو ولي التلميذ بعناية فائقة حتى في حالة الرسوب في جميع المواد أو إحداها في فصل ما، أن لا يوبخه أو يلومه، بل يجب أن يرغبه في المدرسة ومعلمه ودروسه، حتى نحصل على تلميذ سوي.

 

البروفيسور أحمد قوراية أكاديمي وخبير في الصحة النفسية

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا