أفرجت وزارة العدل الأميركية عن الدفعة الأخيرة من الوثائق المرتبطة بقضية جيفري إبستين، لتتجاوز فضيحة جنسية محلية، وتطرح أسئلة جوهرية حول مصداقية الخطاب الغربي حول العدالة وحقوق الإنسان.
وتضم الوثائق ملايين الصفحات ومقاطع مصورة ومواد خضعت لتنقيحات واسعة بحجة حماية الخصوصية وسير التحقيقات، غير أن استمرار حجب أسماء المتورطين من أصحاب النفوذ أثار انتقادات من ضحايا القضية ومراقبين اعتبروه نموذجا صارخا للعدالة الانتقائية.
من الملف الجنائي إلى السؤال السياسي
أهمية قضية إبستين لا تكمن في فظاعة الجرائم وحدها، بل في طريقة تعامل المؤسسات معها.
فالعدالة، حين تتباطأ أو تُقيد كلما اقتربت من مراكز القوة، تتحول من مبدأ قانوني إلى أداة سياسية.
هذا يجعل الملف مرآة للنمط الأوسع للنظام الدولي، حيث تدار القيم وفق اعتبارات النفوذ لا وفق معيار المساواة أمام القانون.
في المنطق الطبيعي لأي قضية اعتداء، تمنح الأولوية لحماية الضحية ومحاسبة الجاني.
غير أن ما حدث في ملف إبستين جاء بعكس ذلك:
– تفاصيل الضحايا نُشرت، وأسماؤهم تداوَلت، بينما بقيت أسماء المتورطين محجوبة خلف مبررات قانونية فضفاضة.
– هذا الخلل يعكس مأزقا أخلاقيا حين تصبح الحقيقة عبئا سياسيا.
– شبكات نفوذ قادرة على ضبط الإيقاع القضائي والإعلامي، وحماية شخصيات نافذة من المساءلة حين يهدد كشف الحقيقة توازنات السلطة.
من إبستين إلى غزة: منطق واحد
يصبح الربط بين قضية إبستين وتعامل القوى الغربية مع ضحايا الحروب، لا سيما في فلسطين، منطقيا ومشروعا.
فالمنطق واحد: قيمة الضحية تُقاس بهوية الفاعل.
أطفال غزة الذين يُقتلون تحت القصف يوصفون في الخطاب الرسمي بـ“الأضرار الجانبية”، تماما كما اختُزلت معاناة ضحايا إبستين في وثائق “حساسة” لا يجوز أن تمس أصحاب النفوذ.
في الحالتين، تفرغ حياة الطفل من معناها الإنساني حين يكون المعتدي جزءا من معسكر القوة أو الحلف السياسي.
اختزال القضية في شخص إبستين يغفل السياق الأوسع. فالرجل لم يعمل في فراغ، بل داخل منظومة سمحت بتداخل المال والسلطة، وأضعفت آليات الرقابة، ووفرت بيئة مناسبة للإفلات من العقاب.
وهي المنظومة نفسها التي تفشل، أو ترفض، محاسبة المسؤولين عن قتل المدنيين في الحروب الحديثة.
فالمنظومة التي تتردد في محاسبة نخبها، وتُسرع في إدانة غيرها، لا يمكن التعامل مع خطابها الحقوقي باعتباره مرجعية أخلاقية محايدة.
تسريبات إبستين تكشف عن أكثر من شبكة جرائم؛ إنها تكشف حدود الخطاب الغربي حين يختبر بالفعل لا بالشعارات. فالعدالة التي تجزأ، والحقوق التي تنتقى، لا تبني نظاما أخلاقيا، بل تُكرس ميزان قوة.
وفي عالم كهذا، يبقى الضحايا – سواء في جزيرة معزولة أو تحت أنقاض غزة – خارج الحسابات، إلى أن يصبح الإنسان، لا النفوذ، هو المعيار.