سياقات ومعاني..

العالم بلا قواعد: حين تتحول السياسة الدولية إلى صفقات قسرية

0
1030
لم يعد اضطراب العالم اليوم مسألة تحليل نخبوي أو جدل أكاديمي. ما يحدث هو تفكك فعلي للنظام الذي حكم العلاقات الدولية لعقود، واستبداله بمنطق أبسط وأكثر خطورة: من يملك القوة يفرض الشروط.
بعد الحرب العالمية الثانية، بُني النظام العالمي على فكرة أساسية: إدارة المصالح عبر قواعد مشتركة، ومؤسسات تضبط النزاعات وتحدّ من الانزلاق إلى الفوضى. لم يكن هذا النظام عادلًا، لكنه كان عمليًا، ووفر حدًا أدنى من الاستقرار. اليوم، لم تعد المشكلة في ضعف هذه المؤسسات فقط، بل في انهيار القواعد نفسها.
العلاقات الدولية تتحول بسرعة إلى صفقات مالية وتجارية وأمنية، تُدار بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق القانون. التحالفات لم تعد التزامًا طويل الأمد، بل عقودًا مشروطة. الضمانات الأمنية تُسعَّر، والاتفاقات التجارية تُستخدم كسلاح ضغط. أما القانون الدولي، فبات يُستدعى عندما يخدم طرفًا، ويُتجاهل عندما يعطّل مصالحه.
كان من المفترض أن يدفع الركود الجيوسياسي العالم نحو مزيد من التعاون، لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. القوى الكبرى نفسها تعاني من تعب داخلي: ديون متصاعدة، شيخوخة سكانية، واقتصادات عاجزة عن تقديم “عقد اجتماعي” مستقر لمواطنيها. وبدل معالجة هذه الأزمات، تُصدَّر أزماتها إلى الخارج عبر سياسات أحادية أكثر خشونة.
في هذا السياق، يتم تهميش المؤسسات الدولية لأنها لم تعد تخدم هدف النتائج السريعة دون كلفة سياسية داخلية. لذلك تتعطل المنظمات عند اشتداد الأزمات، تنهار اتفاقات الحد من التسلح، تتصاعد الحمائية، ويتحول القانون الدولي إلى مادة خلاف سياسي بدل أن يكون مرجعية ملزمة.
الكلفة الحقيقية لهذا المسار لا تبقى في أروقة نيويورك أو جنيف. إنها كلفة يومية يدفعها العالم كله، خصوصًا في دول الجنوب، حيث تبتلع خدمة الديون الموارد المخصصة للتعليم والصحة والبنية التحتية، في اقتصادات شابة عاجزة عن توليد فرص كافية. النتيجة واضحة: هجرة غير منظمة، توترات اجتماعية، تطرف، وإرهاب، واضطراب في سلاسل التوريد يطال الجميع بلا استثناء.
ما يجري ليس انهيارًا نظريًا للنظام العالمي، بل تفككًا عمليًا له، يهدد الأمن الاقتصادي والغذائي والاستثماري، ويجعل الاستقرار نفسه سلعة نادرة. وهذا يعني أن الفوضى لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل مسارًا قائمًا إذا استمر تآكل القواعد.
لا يتعلق الأمر بالحنين إلى نظام قديم لم يكن عادلًا، بل بالاختيار بين إصلاح واقعي أو فوضى مفتوحة. إصلاح يبدأ بإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وتقوية آليات تسوية النزاعات، وإصلاح منظومة التمويل العالمي التي تخنق الدول بالديون، وبناء تعاون شفاف يحد من اقتصاد العنف العابر للحدود.
قد يخفف الركود الجيوسياسية سباق الهيمنة على المدى البعيد، لكنه اليوم يختبر سؤالًا أخطر: هل يستطيع العالم الاستمرار بلا قواعد مشتركة؟ أم أننا ندخل عصر الصفقات القسرية حيث لا مكان إلا للأقوى؟
الفرق بين المسارين ليس سياسيًا فقط، بل فرق بين استقرار هش يمكن إدارته، وفوضى لا يمكن التنبؤ بحدودها أو كلفتها.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا