سياقات ومعاني.. 

السكن الاجتماعي: ردّ برلماني يعيد فتح ملف السكنات الشاغرة وإعادة توزيعها

0
931
تأتي تصريحات وزير السكن والعمران والمدينة، محمد طارق بلعريبي، بشأن إحصاء السكنات العمومية الإيجارية الشاغرة أو غير المستغلة، ضمن سياق مؤسساتي واضح، كونها جاءت ردا رسميا على سؤال كتابي تقدم به النائب بالمجلس الشعبي الوطني، رابح جدو، حول إحصاء السكنات العمومية الإيجارية الشاغرة أو غير المستغلة، في سياق عام يتسم بجديد سير ملف السكن الاجتماعي في الجزائر، الذي ظل لسنوات من أكثر القطاعات حساسية اجتماعيًا وسياسيًا، بما يشوبه تنفيذيا من بعض الاختلالات المتباينة في التسيير والتوزيع.
فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة منذ مطلع الألفية في إنجاز مئات الآلاف من الوحدات السكنية، إلا أن إشكالية الشغور وسوء الاستغلال بقيت تطرح نفسها، خاصة في السكن العمومي الإيجاري، الذي يفترض أن يكون موجهًا حصريًا للفئات الهشة والمعوزة.
وتشير المعطيات التي كشفت عنها وزارة السكن إلى تراجع نسبي في ظاهرة شغور السكنات، وهو تطور إيجابي يعكس، من جهة، أثر تشديد الرقابة والمعاينات الدورية، ومن جهة أخرى، وعيًا متزايدًا لدى بعض المستفيدين بأن السكن الاجتماعي لم يعد مجالا للتلاعب أو الاستثمار غير المشروع. غير أن هذا التحسن، حسب ملاحظين، يبقى جزئيًا وغير كافٍ إذا ما قورن باتساع الطلب الاجتماعي وضغط القوائم الطويلة للمسجلين.
ومن زاوية أوسع، تبرز مسألة إعادة توزيع السكنات غير المستغلة كحل إسعافي أكثر منه معالجة جذرية، إذ أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الشغور، بل في آليات الانتقاء، نقص المتابعة بعد التوزيع، وتفاوت التطبيق بين الولايات والبلديات. وهو ما جعل السكن الاجتماعي، في فترات سابقة، محل تشكيك لدى شريحة من المواطنين عند الاعداد والاعلان عن القوائم.
أما بخصوص الإبقاء على سقف الدخل العائلي المحدد بـ 24 ألف دينار، فيعكس تمسك السلطات بمقاربة اجتماعية تقليدية، تُراعي الموارد المالية للدولة وتسعى إلى توجيه الدعم نحو الفئات الأشد هشاشة. غير أن هذا السقف، في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة، بات محل نقاش متزايد، إذ يرى البعض أنه لم يعد يعكس الواقع الاقتصادي الحقيقي للأسر الجزائرية، خاصة في المدن الكبرى.
وفي المقابل، تحاول الوزارة التوفيق بين الحفاظ على الطابع الاجتماعي للسكن العمومي الإيجاري، وتوجيه الفئات ذات الدخل المتوسط نحو صيغ أخرى كـ ” البيع بالإيجار”، في مسعى لإعادة هيكلة سياسة السكن وفق منطق التفريق بين الدعم الاجتماعي والدعم الموجه. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بمدى قدرة الصيغ البديلة على الاستجابة الفعلية لقدرة المواطنين الشرائية.
وتكشف مراجعة المرسوم التنفيذي المنظم للسكن العمومي الإيجاري عن توجه رسمي نحو إعادة ضبط المنظومة قانونيا، بعد سنوات من العمل بنصوص أفرزت ثغرات استغلها البعض للتحايل أو الاحتفاظ بسكنات دون وجه حق. إلا أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تعديل النصوص فقط، بل في ضمان تطبيقها الصارم والموحد عبر مختلف الجماعات المحلية.
في المحصلة، تعكس تصريحات وزير السكن إرادة رسمية لإعادة الاعتبار لسياسة السكن الاجتماعي، بالانتقال من منطق المعالجة الظرفية والرقابة الموسمية، إلى سياسة سكنية اجتماعية مستدامة تقوم على الشفافية، العدالة في التوزيع، والمتابعة الدائمة، بما يعيد الثقة للمواطن في واحد من أكثر الملفات التصاقًا بحياته اليومية وكرامته الاجتماعية.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا