الزراعة التعاقدية كإستراتيجية لبناء عــلاقات تجــارية مستدامة بين المزارعين وقطاعات الأعمال الأخرى

0
406

منذ سنوات عديدة، يتزايد الاهتمام بموضوع الزراعة التعاقدية باعتبارها وسيلة لدمج صغار المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة ضمن أسواق هامة للأغذية والمنتجات الزراعية ذات القيمة المضافة العالية المرفوقة بذلك التوسع الهام لسلاسل القيمة العالمية للمنتجات الزراعية والغذائية، وما قد يدعم هذا التوجه نحو الزراعة التعاقدية، هو أن عملية ربط المزارعين بالمستهلكين من خلال سلاسل القيمة المتطورة من شأنه أن يضيف قيمة مضافة إلى المنتجات الزراعية عن طريق النقل، والتسويق والتجهيز، لضمان وفاء منتجات التغذية بمتطلبات محددة تراعي جوانب الجودة والسلامة الغذائية، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك التطورات الهامة المرتبطة بظهور سلاسل القيمة العالمية والتي أصبحت جزءا هاما من تجارة الأغذية والمنتجات الزراعية، وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلث الصادرات الزراعية والغذائية يجرى في إطار سلاسل القيمة العالمية الحديثة التي تجزأ من خلالها عمليات الإنتاج إلى مراحل على مستوى بلدان مختلفة لتحقيق المكاسب على كامل السلسلة. وبذلك شكّلت سلاسل القيمة العالمية ميزة نموذجية في قطاعي التصنيع والخدمات بشكل عام، خصوصا وأنه يجري حاليًا حوالي نصف التجارة العالمية بالسلع والخدمات من خلال سلاسل القيمة العالمية، وبالتالي فهي فرصة هامة للدول النامية للاستفادة من المزايا الإيجابية والمكاسب الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالاندماج ضمن سلاسل القيمة العالمية الحديثة في مجال الأغذية والزراعة، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ما يثار من مخاوف تتعلق ببعض النتائج البيئية والاجتماعية والصحية المتعلقة بروابط سلسلة القيمة الزراعية بالتنمية المستدامة.

ومن الناحية النظرية، تعرف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الزراعة التعاقدية بأنها:” إنتاج زراعي وفقا لاتفاق بين المشتري والمزارعين، تتحدد بموجبه شروط إنتاج وتسويق منتج أو منتجات زراعية، وعادة يوافق المزارع على توفير كميات متفق عليها من منتج زراعي محدد، وينبغي أن تستوفي تلك المنتجات معايير الجودة التي يحددها المشتري وتوفر في الوقت الذي يحدده المشتري كذلك. وفي المقابل فإن المشتري يلتزم بشراء المنتج، وفي بعض الحالات يقوم بدعم الإنتاج من خلال توفير المدخلات الزراعية وإعداد الأرض وتوفير المشورة الفنية”. وبالتالي، وعلى ضوء ذلك التعريف، فإن الزراعة التعاقدية قد ينظر لها ضمن بعدها المحلي والإقليمي والعالمي بأنها إستراتيجية شاملة ومتكاملة لبناء علاقات بين المزارعين وقطاعات الأعمال الأخرى بهدف تعزيز الإنتاجية الزراعية وتطوير الزراعة المستدامة.

وضمن هذا التوافق بين المزارعين وقطاعات الأعمال ضمن سلاسل القيمة الحديثة، ينبغي أن تتضمن برامج واتفاقيات الزراعة التعاقدية ترتيبات هامة تتضمن ضرورة الالتزام بمعايير الجودة والسلامة الصحية الواجب توفرها في المنتجات الزراعية والغذائية، وقد يتحقق ذلك من خلال ذلك الدعم المقدم من قطاعات الأعمال بصفتها المشتري الأساسي ضمن اتفاقيات الزراعة التعاقدية.

وفي ضوء تلك الاتفاقيات المتعلقة بالزراعة التعاقدية، يتاح لصغار المزارعين العديد من الفوائد ضمن ترتيبات التنسيق العمودي، من أهمها إيجاد سوق مضمونة لمنتجاتهم الزراعية، وكذا المعرفة المسبقة بالأسعار التي سيحصلون عليها من بيع المنتجات الزراعية، وذلك بالإضافة إلى التسهيلات المرتبطة بالحصول على التمويل والدعم، إما في شكله النقدي، أو في شكله العيني كالبذور والأسمدة، كما أن الحصول على التقنيات والمهارات الجديدة من خلال المشورة والإرشاد الزراعي المقدم من قطاعات الأعمال من شأنه أن يسمح بتطوير الإنتاج الزراعي للمزارعين وتنويعه، وزيادة جودته. أما بالنسبة لقطاعات الأعمال فتستفيد من خلال تلك الاتفاقيات بضمان الإمدادات المنتظمة والموثوق بها من المنتجات الزراعية التي تسمح بتلبية احتياجاتها الدورية، وذلك حسب الحاجة وبالكمية المطلوبة، مع ضمان الحصول على تلك المنتجات بأسعار محددة مسبقا ووفقا لمعايير الجودة المطلوبة.
ومن جانب آخر، تبين الدراسات أن جميع اتفاقيات الزراعة التعاقدية الناجحة على المستوى الدولي تشترك في عدة عوامل أساسية من ناحية قطاعات الأعمال، فمنها أن قطاعات الأعمال التي تقودها من حيث حجمها فهي قطاعات أعمال تجارية كبيرة، وذات تركيز على السوق والجانب التجاري المرتكز على التصدير(خصوصا قطاعات الأعمال التي تصدر المنتجات المعروفة كسلع دولية)، ولديها المعرفة بكيفية بيع منتجاتها قبل إنتاجها، وتعرف عملائها بشكل جيد، وذلك إضافة إلى إن قطاعات الأعمال تلك تتميز بأنها ذات قدرات إدارية ومالية وتنظيمة عالية تسمح لها بوضع وتنفيذ اتفاقيات الزراعة التعاقدية بنجاح، ولها كذلك القدرة على تقديم الخدمات المتعددة للمزارعين، وهذه العوامل المتكاملة في مجملها هي بمثابة العوامل الضرورية لاتفاقيات الزراعة التعاقدية الناجحة.

ومن ناحية الشواهد التجريبية ذات الصلة بتقييم اتفاقيات الزراعة التعاقدية وآثارها المختلفة، فإن هناك بصفة عامة العديد من الأدلة التي تؤكد على الآثار الإيجابية للزراعة التعاقدية من حيث زيادة حجم أصول المزارعين وزيادة مداخيلهم وتحقيق إيرادات أعلى بعد مشاركتهم في اتفاقيات الزراعة التعاقدية، غير أن تلك الآثار يمكن أن تتفاوت إلى حد كبير باختلاف المناطق أو باختلاف العقود وترتيباتها التي تشملها، وتؤكد الدراسات على نقطة هامه مفادها أن الآثار الإيجابية للزراعة التعاقدية على المزارعين ستكون أـكبر عندما تكون مشاركة المزارعين مستمرة، وذلك لأن الاستثمارات في الأصول الإنتاجية والتكنولوجيات والمعرفة تتطلب وقتا كي تؤتي ثمارها على ضوء ما أشار إليه التقرير المتعلق بحالة أسواق السلع الزراعية الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة سنة 2020.

وعلى ضوء ما سبق، وبما أن الأسواق تشكل جزءا مهما ضمن عمليات التحول الهيكلي بشكل عام، فإن إتاحة الفرصة أمام مشاركة صغار المزارعين في عمليات التبادل القائم على الأسواق الحديثة يعد أمرا أساسيا، وذلك أن ضمان اتصال المزارعين بالأسواق الجيدة الأداء ذات الصلة بسلاسل القيمة العالمية الحديثة من شأنه أن يسمح لهم على نحو أفضل بالاستفادة من نتائج التنمية. وفي الأخير، وعلى مستوى الاقتصاد الجزائري وما يعرفه قطاع الزراعة حاليا من اختلالات هيكلية وتنظيمية بشكل عام، فإنه يمكن من خلال تدعيم وتطوير الأفكار ذات الصلة باتفاقيات الزراعة التعاقدية المرفوقة بسياسات تنسيقية وتكميلية أخرى تطوير القطاع الزراعي في الجزائر عبر بناء علاقات تجارية مستدامة بين صغار المزارعين وقطاعات الأعمال الأخرى الفاعلة ضمن سلاسل القيمة العالمية الحديثة في مجال الأغذية والزراعة، وقد تكون الانطلاقة ناجحة إذا ما تمت الاستفادة من النتائج المكتسبة عبر الكثير من التجارب الهامة في مجال الزراعة التعاقدية، منها على سبيل المثال التجربة التطبيقية لمشروع الزراعة المستدامة في المناطق الجافة في الصين الممول من البنك التنمية الآسيوي، وغيرها من التجارب التطبيقية الأخرى ضمن مشاريع إقامة سلاسل القيمة العالمية الحديثة في مجال الأغذية والزراعة.

الدكتور عمران عبد الحكيم/ كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا