سياقات ومعاني

الرقمنة تغيّر قواعد اللعبة… ومن لا يواكب سيُقصى من التأثير

0
494
تحوّل ملف الرقمنة في الجزائر من ورشة إدارية تقنية إلى معركة سياسية حقيقية تفرض نفسها على الفاعلين والمكونات المؤسسية كافة. فالتوجيهات الرئاسية التي تشدد على ضرورة تحقيق تقدّم ملموس قبل نهاية السنة، مع التأكيد على اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتقاعسين، جعلت من الرقمنة محكًّا فعليًا للتقييم السياسي.
وفي هذا السياق، كشف بيان مجلس الحكومة الأخير عن خطوات أساسية في مسار التحول الرقمي ، منها إنجاز أول مركز وطني للبيانات، وإطلاق قاعدة البيانات الوطنية لتسهيل اتخاذ القرار. كما أبرزت إحدى الهيئات، في بيان بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة الفساد، أن الحكومة الرقمية أداة للوقاية من الفساد وضمان الشفافية المستدامة، ما يقتضي منصات رسمية متكاملة، وبيانات موحدة، وقدرات تحليل رقمي فعّالة.
غير أن هذا التقدّم المؤسسي يُقابله تأخر واضح لدى كثير من الأحزاب في مواكبة التحول. فخطابات بعض قياداتها خلال التجمعات الأخيرة تُظهر سطحية في فهم متطلبات العصر الرقمي، إذ تكتفي بشعارات عامة دون برامج رقمية أو أدوات تواصل حديثة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الذي يُعيد الشباب صياغته بأساليب أكثر تأثيرًا.
إن وظيفة الأحزاب اليوم لم تعد محصورة في التعبير عن برامجها، بل باتت مرتبطة بالقدرة على تفعيل منصات رقمية، تحليل الرأي العام، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لربط المبادرات الرقمية للشباب بالسياسات العامة. ورغم أن الأحزاب لا تملك سلطة تنفيذية مباشرة، إلا أن دورها يبقى حاسمًا عبر منتخبيها في المجالس المحلية والبرلمانية، وعبر تقديم نموذج داخلي للتحول الرقمي من خلال رقمنة هياكلها وأساليب تواصلها.
في المقابل، يشهد الشارع الجزائري ثورة رقمية موازية يقودها الشباب بخبراته في تحليل البيانات وصناعة المحتوى، بينما يبتكر طلبة الجامعات تطبيقات وبرامج ذكاء اصطناعي بشكل مميزمن حيث التقييم. وتتحرك الشركات الناشئة بوتيرة أسرع من البيروقراطية، مؤكدة وجود طاقة رقمية واسعة غير مستثمرة على النحو الأمثل.
ضمن هذا السياق، يصبح التفاعل الجاد مع الرقمنة شرطًا للبقاء السياسي في المرحلة المقبلة. فالحزب الذي لا يمتلك أدوات العصر ولا ينخرط في التحليل الرقمي والتواصل الفعّال، سيجد نفسه خارج الدائرة التي تزداد ترابطًا وتفرض توجهاتها.
فالرقمنة لم تعد خيارًا… إنها معركة الحاضر والمستقبل.
أبو محمد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا