الشاعر الطاهر معيوف زوايمية لـ"أخبار الجزائر الجديدة":

الثقافة تمشي في دم الجزائري.. نشأ على حب العلم والمطالعة والكتاب

0
273
الطاهر معيوف
الطاهر معيوف

في هذا الحوار مع الشاعر الطاهر معيوف تناولنا كثيرا من قضايا حاضرنا في الجزائر وحاولنا أن نثير النقاش مع الشاعر الطاهر معيوف حول العديد من قضايا الثقافة وواقع الجزائر في هذا الراهن الحالم بجزائر جديدة، جزائر مشرقة وواعدة فبالرغم من السنوات العجاف فإن الإنسان الجزائري نهض ليلامس واقعه ويشرئب نحو غدا وات زاهر وتحدث الشاعر بألم كبير وطموح أكبر لتجاوز كل أشكال الرداءة.

الواقع الإبداعي في الجزائر يتسيب فلا نقاد ولا ضوابط والبداية ستقودنا إلى فساد الأدب والفكر والثقافة وذاك ليس بالأمر الهين؟

فعلا سؤالك جوهري، رغم وجود أعمال أدبية راقية متميزة إلا أنها لم تأخذ نصيبها من النشر والوصول إلى القارئ، ولم يحتفى بمبدعيها، ورغم وجود أصوات شعرية رائعة إلا أنها تختنق في برجها العاجي، في الوقت الذي نجد فيه الكثير من المتطفلين على الإبداع ينشرون نصوصهم ويجدون منابر مهيئة لاستقبالهم، وجوائز تشجيعية، وهذه الفئات في معظمها تقفز على المراحل، ولا تؤمن بالتدريج والتريث، ولا تعمل على صقل مواهبها، ولا تسعى للتجديد ونضج التجربة، بل يحكمها التسرع نحو الطبع سعيا إلى الشهرة الزائفة، وهي عبارة عن فقاقيع جوفاء، تطبعها الغوغائية الزائفة التي لا تميز بين أنواع المعادن، فتميل إلى الجاهز والنشاز والمبتذل، كما ساهمت بعض دور النشر ــ التي تكاثرت كحبات الرمل ـــ في هذه الرداءة، خاصة تلك الدور التي يديرها من لا ذوق له ولا فن ولا إبداع ولا مستوى ثقافي، بل همه ما تدرّ عليه هذه الإصدارات من مال فهي مراكز تجارية لا غير.

اجتاحتنا الانقلابات الدولية والعالمية ودارت الأرض دورتها ونحن نائمون غافلون فقد سقطت الإيديولوجيات وحوربت الانتماءات وغزتنا الفوضى الخلاقة فإلى أين نحن ذاهبون؟ والى أين تتجه الأقلام ويكتب الكاتبون؟ فهل ينحني بنا الدرب إلى مقاومة وممانعة أم نمضي نكتب للتسلية والترويح ونغازل الحجر والطير ويموت النبض؟

وضعت إصبعك على الجرح لقد كانت كلمة عالم أو أديب أو شاعر أو رجل سياسة لها وزنها ومكانتها، كان هؤلاء ينتمون إلى النّخبة يحملون لواء التغيير والتجديد، يسهمون في البناء والتشييد، لقد قامت ثورة التحرير على أكتاف هؤلاء العظماء، بمختلف شرائحهم وانتماءاتهم وتخصصاتهم، داخل الوطن وخارجه، لقد كان صوت المثقف يجلجل عاليا مشرِّحا خطورة المستعمر كاشفا جرائمه مستغيثا، مستنكرا، فلم يتخلف مولود فرعون في رسائله التي أرسلها إلى أصدقائه محدثهم عن وضع الجزائريين المأساوي وما ارتكبته فرنسا ضد الأبرياء العزل، بل أرسل رسالة عتاب ولوم للكاتب الفرنسي ألبير كامي الذي ساند الاستعمار ووقف مع الطغاة، ولم ينتصر للحق والإنسانية، كما وقف الشهيد أحمد رضا حوحو موقف الشجعان تجاه قضايا وطنه، ولم يتخلف مالك بن نبي عن ركب العظماء فقام بدعوة أحرار العالم للالتفاف حول القضية الجزائرية فكانت مقالاته تذاع في صوت الثورة في القاهرة، بل ألهم شعراء الجزائر المبدعين والأدباء الأحرار في كل العالم فتركوا روائع من وحي الثورة الجزائرية.

إن الفساد السياسي الذي لحق الجزائر نشر ظلاله على كل صغيرة وكبيرة، ولج المعاهد والجامعات والإدارات ونخر مفاصل الدولة، بحيث فقدنا الثقة في كل شيء وساد العبث وتحطمت هرم القيم، وسادت الفوضى وأصبحنا نشك في كل شيء، فلا قطرة مزن تغيثنا من هذا العطش الحارق.

لقد عم الفساد البلاد والعباد، اقتحم المنظمات والجمعيات والاتحادات التي تأكل من فتات الموائد وتستجدي من خيرات الوطن ويغدق عليها من المؤسسات الرسمية فقط لأنها تبارك أو تصفق أو ترفع الشعارات الموالية للسلطة ومراكز القرار.

ورغم كل هذا فإننا نبقى متمسكين ببصيص أمل ولا نعدم شعاعا مشرقا هنا أو هناك، يلوح في غياهب الظلام، فنعتز بكلّ من يحاول تقديم إضافة إيجابية سواء ساعده الرّجال الأحرار من خلال مواقعهم، فوفروا له الفضاء المناسب، وفتحوا له المخابر العلمية والمراكز الثقافية ودور الشباب والمكتبات، وهم أعداد كثيرة ضحت بكل ما لديها في سبيل بناء الوطن، فهناك من النّخب من خرج من كل العباءات وخلع كل الإيديولوجيات من أجل الفن الخالص والإبداع الصافي وربما يمثل هؤلاء تجربة المقاهي الأدبية التي قاد لواءها المبدع الرائع عبد الرزاق بوكبة ومعه نخبة من الشباب آمنوا أن الفعل الثقافي الإيجابي يسهم في بناء الوطن، وأن القراءة سلوك حضاري مغيب في جزائرنا الحبيبة علينا إعادة زرعه في أوساط المجتمع وتفعيله وتشجيعه، فكانت هذه المقاهي التي تجمع المبدعين للبوح بما جادت به قرائحهم، ومركز إشعاع ثقافي قام به مجموعة من الشباب خارج كل الأطر الرسمية، وتبرعوا بكتب ومجلات وجعلوها تحت الإعارة وشجّعوا على المطالعة والقراءة كفعل إيجابي حضاري يسهم في بناء الوطن، كما نشطت جمعيات ثقافية آمنت بالفن والإبداع فدفعت عجلته بكل الوسائل المتاحة بل دفعوا نفقات النشاطات من تبرعاتهم كبيت الشعر الجزائري الذي انطلق بفروعه في كامل الوطن، وأنوه بفرع أم البواقي الذي يترأسه الشاعر الأستاذ عمر بلاجي إذ جعل هذه المدينة مركز إشعاع إبداعي بما يحييه من ندوات فكرية وأمسيات شعرية وملتقيات أدبية دوريا على مرور السنة.

عدد الأسماء وعدد الأقلام وعدد الشّهادات العليا والمتوسطة ودون المتوسط في عالمنا العربي كعدد النمل والجراد ولكن أين هذه الأقلام والأمة تدك دكا وفكرنا وقناعاتنا تتساقط على مرمى أعيننا هل هرمنا؟ هل صدمنا؟ هل كممنا هل أدركتنا الطّفرة فعدنا إلى البدائية الأولى؟

انتشرت مؤخرا ظاهرة خطيرة في الجزائر إذ أصبحت الشهادات بالمحاباة، ومع النظام الجديد LMD سادت ثقافة الكم على حساب الكيف، اندثرت الجودة واختفت البحوث العلمية الرصينة، فلم تعد تلك المؤشرات المتينة، والمراحل العميقة التي يقطعها الباحث، فتكون مسيرته التعليمية ثقيلة بالبحوث لا بالشهادات، فكل من يتحصل على شهادة عليا في النظام القديم كان يفتكها عن جدارة، فإذا اعتلى منصبا أو وظيفة كان على مقاسها يبدع في تخصصه، أما اليوم فالشهادات تملأ الرُّفوف ولكنْ قلَّما نجد صاحب كفاءة متمرن يستطيع تقديم إضافة في مجاله، فالركاكة والرداءة والضحالة نخرت جميع الميادين، وانتشرت في كل المجالات، منذ سنوات كنت في الجامعة بصدد تحضير شهادة الماجستير فالتقيت بمجموعة من أساتذتي وأحسست بمرارة الرفض وألم الصدمة لهذا النظام الوافد الجديد الذي لم نحسن استقباله ولم نوفر له الوسائل المناسبة ولكننا ارتمينا في أحضانه طيفا بلا روح، حيث رفض بعضهم تدريس النظام الجديد إلى وقت متأخر، ثم مع مرور الوقت تعايشوا معه كما يتعايشون مع الأمراض المزمنة، فرضته السلطة.

في الجزائر مئات الأسماء في الأدب والعلم والطب والسياسة، ولكن لا وزن لها على الأرض، هل ننتظر النظم والإدارات لتؤسس لنا النخب؟ وهذا الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه لا توجد حفنة واحدة في بلد عربي يسمع لها صوت بالرَّغم من وجود حرية الرّأي ووسائل التّواصل، هل أصبح المثقف العربي حتى هو الآخر خائنا للتاريخ والشعوب؟

لقد سجلت الجزائر اسمها بعشرات العظماء والمبدعين، أثبتوا عبقريتهم وذكائهم الخارق هنا في الجزائر وخارجها، وفاز الكثير بجوائز عالمية قيمة لأن المبدع في الغالب يفعل ما تفعله دودة الحرير وهي تنفرد في شرنقتها أو النحلة حين تخلو إلى خليتها، ولكن عباقرة الجزائر الذين عاشوا في الغربة وجدوا المناخ المناسب فأبدعوا في مختلف تخصصاتهم، بعكس الجزائريين داخل وطنهم لم تسعفهم الظروف ويساعدهم المناخ، فتحدت فئة قليلة الواقع وأزهرت كما تزهر النبتة البرية في بيئة قاسية لم توفر لها أبسط الإمكانات، إذ تمثل النسبة المئوية للبحث العلمي نسبة بسيطة جدا مقارنة بالقطاعات الأخرى.

للأسف لم تساهم السلطة في تهيئة الظروف المناسبة للمبدعين والعباقرة، ولم توفر لهم الوسائل المساعدة، ولم تغدق عليهم كما غدقت على غيرهم، فأيهم يحترق في سبيل الوطن؟ هل هو الرياضي الذي تصرف عليه الملايير؟ أو المبدع الذي جعل من نفسه شمعة يحترق من أجل وطنه، لقد عانى المثقف الجزائري التهميش والفقر وعاش على هامش الحياة، لقد صادفنا العشرات الذين عانوا في صمت وأفل نجمهم وضاع إبداعهم أدراج الريح، وكم من عبقري قتلوا فيه الطموح انتهى به الأمر إلى اليأس والانتحار.

مازلنا نؤمن أن في هذا الوطن طيبين وصادقين لذلك ما نزال نحلم فما رأيك لو أقمنا أكاديمية للفنون وآداب جزائرية دولية لتقينا هم التقلبات والتغيرات وهم الأذواق والميولات وفساد المسؤولين لتكون هذه الأكاديمية الثقافية الجزائرية ذات فضاء جزائري دولي ولها قوانين وضوابط ليكون العالم في مصب أقلامنا ويكون الانفتاح الثقافي بحكمة واتزان وماذا لو أسسنا أكاديمية جزائرية لكتابة التاريخ وكتبنا تاريخ فرنسا وأمريكا وأوروبا وأهديناه لهم هل نحن قاصرون حتى يكتبوا هم تاريخنا؟ وماذا لو أقمنا أكاديمية اللغات والعلوم والفنون ألا تصبح الجزائر قلعة في المغرب العربي وإفريقيا والعالم هل نحن صغار لا نقوى على ذلك؟
رغم كل الفساد الذي استشرى في الوطن ومسّ كل القطاعات وداس على كل القيم، واجتاح كل المجالات السياسية والاجتماعية إلا أن هذا الوطن لا يخلو من الطيبين والصادقين، نصادفهم هنا وهناك في مختلف مواقعهم، في التعليم العالي وفي التربية الوطنية وفي مديرية الثقافة وفي الصحافة، وفي مختلف المجالات، رجال تشبعوا بالوطنية والغيرة على الهوية، يسعون بكل صدق في وضع اللبنات الأساسية لوطن يستحق منّا كل جميل، لو التفتنا لتلك الشريحة المخلصة وأوكلناها أمر الثقافة والفن لتمكنت من وضع مقاييس دقيقة ثابتة ومعايير جادة لتصنيف الإبداع بعيدا عن الغوغائية والأذواق الفاسدة التي تسللت في جنح الليل لتخلط الذهب مع الزجاج، وغناء البلابل مع نعيق البوم.

لقد آن الأوان لنتصدى لكل أشكال الرداءة في مختلف المجالات، وأن نضع مؤسسات أو كما سميتها أكاديمية توجه الأذواق وتربي الأجيال، وتلقن أبجديات الفن، لأن هناك هوة كبيرة بين الإبداع الأكاديمي والإبداع العصامي، ففي الوقت الذي يجنح فيه الأكاديمي إلى الغموض الذي يستغلق على عامة الناس ويخاطب قارئ خاص جدا بعيدا عن الواقع، نجد العصامي ينزل إلى البساطة والسهولة التي تقتل جماليته.
إنّ عقدة احتقار الذات التي طبعت حياتنا لعقود ما زلنا نعيش مأساتها في وقتنا الراهن، فهناك عقدة المشرق وهناك عقدة الغرب، فما زلنا نعتقد أننا أقلّ شأنا من غيرنا في الفن والعلم، فحين نتصفح كتبنا المدرسية نجدها تكاد تخلو من إبداعاتنا، رغم وجود العشرات من العمال الخالدة التي تستحق الدراسة والتنويه، ما زلنا لم نستقل بمناهجنا ونظرياتنا نبحث عن المستورد والأجنبي والوافد كأن أذهاننا تصلبت، فبتنا ننجذب إلى تيارين نميل إليهما كل الميل ونعتقد أن رموز الخلاص إما تأتي من المشرق العربي أو من الغرب، فلسنا قادرين على العودة إلى ذواتنا إلى تاريخنا إلى موروثنا الثقافي، ننظر له نظرة معاصرة، لأننا لو فعلنا ذلك لانبعثنا من رمادنا وحلقنا في سماء التحضر والتقدم.

أنت شاعر مجيد وإرادة طامحة هل يمكنننا أن نعرف ما هو رأيك في أن مواهبنا تقام الأعراس الفارغة هناك بقرب دولة الاحتلال وعلى ضفاف من دمروا الذي فينا نحن هاهنا كأننا لا نقدر على منح الفرح لشاعر أو روائي أو كاتب هل صحيح أننا أصبحنا صغارا لدرجة أن الآخرين يخططون لأهدافهم على حسابنا وعلى حساب أقلامنا وهل تظن أن هذه المواقع بريئة؟

لقد ارتبط في أذهاننا أن الشعر رمز المروءة والرجولة، يقف مع الحق والعدل والحرية، بعيدا عن أي مدرسة فنية غربية، لقد اصطحبنا المتنبي في إبائه وطموحه وشهامته حتى أصبح رمزا قوميا، ثم تعايشنا مع الشعراء المعاصرين وهم يرفضون الانحناء يرفضون الخضوع يكرهون الظلم، حتى أن أغلبهم عاش على هامش الحياة منعزلا أو مشردا أو عانى من غياهب السجون فقط لأنه رفض أن يصطف مع الدكتاتورية، لم يستسلم الشعراء المعاصرين رغم إحساسهم المر بفجيعة الهزيمة ولم تخدعهم أوسمة ولا هديا مقابل بيع قضيتهم، فلم يتغنى شاعر واحد بالاحتلال، رغم وجود العشرات من المثقفين الخانعين والسياسيين الانتهازيين.
إن صوت الشاعر هو صوت الحق هو صوت الإنسان الذي لا يصده في سبيل هدفه المنشود شيء، وإذا خفت صوت الشاعر واختفى وراء مكسب مادي فلن نلوم أطياف المطبّلين الآخرين، إن ما نعيشه من هزيمة نكراء جراء صفقة القرن، لقد كشف الأعراب عن عريهم ومهانتهم وهم يمدون أيديهم إلى شرذمة من مصاصي الدماء بلا حياء ولا خجل، وكنا ننتظر موقف جماعي لكل المثقفين العرب أن يقفوا وقفة واحدة ويعبروا عن رفضهم لهذه الجريمة النكراء، ولكن لا حياة لمن تنادي، أظن أن الشعوب العربية التي قبلت هذه النكسة قدمت بذلك صكوك الغفران للسلطة التي تمثلها وباركت صنيعها بطريقة غير مباشرة، إن كل شاعر ينخرط في نشاط ثقافي مشبوه أو ينتمي لدولة مطبعة فقد عبر عن تضامنه لهذا الصنيع الشنيع، وبما أننا في الجزائر لنا موقفنا الثابت من القضية الفلسطينية فإنني أحث كل شعرائنا ونقادنا قطع كل صلة مع كل تنظيم له شبهة الانبطاح والتطبيع.

لو استشرت بحق كيف تريد أن تكون الثقافة في الجزائر ماذا تقول؟

إذا كان ابن باديس رحمه الله صرخ ذات يوم وقال شعب الجزائر مسلم، فسأضيف أنا شعب الجزائر مثقف، إن الثقافة تمشي في دم الجزائري، نشأ على حب العلم والمطالعة والكتاب، وحسب رأي يمكننا الاستثمار في هذه المعطيات، وتشجيع القراءة، و لحث على الإبداع، ولنا في تجربة ماليزيا خير مثال، إذ اعتمدت على نظريات مالك بن نبي وحققت قفزة نوعية في التنمية والتقدم، يمكننا دفع عجلة الثقافة بنشر ثقافة القراءة، منذ التعليم الابتدائي تخصيص حصص خاصة بالقراءة في كامل المرحلة الابتدائية، تفعيل نوادي القراءة وتحفيزها، وتوفير الإمكانات المناسبة، إعادة النظر في طريقة تسيير المكتبات البلدية ففي أغلبها تسير من طرف موظفين لا علاقة لهم بالكتاب أو الثقافة.

حوار الطاهر يحياوي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا