مؤسس حركة جمهورية قرطاج "كريم مختار" في حوار مع "نيوز الجزائر":

آن الأوان لشعوب شمال إفريقيا إحياء تاريخها وتَسَيُد نفسها

0
698
شمال إفريقيا

يعود التاريخ ليفرض نفسه من جديد على جيل اليوم الذي وجد نفسه مجبرا على النبش في ماضيه، وإحياء تاريخ بلاده واستنطاق آثارها، تراثها وشخصياتها التي تركت بصمتها، بطريقته الخاصة، ورؤيته الانتمائية إلى جغرافيا تخصه وتخص أجداده، محاولا استخلاص الدروس والعبر وتصحيح المفاهيم والمعطيات، وإثارة ما تم إخفاءه من حقائق، جعلت الغرب يهيمن على ماضي الشرق، يدون ما يريده وفق المنهجية التي تخدمه، في وقت ظل الشرق يعتمد القراءة دون الغوص في الأعماق واكتشاف الحقائق. وتعتبر الحضارة القرطاجية بتونس إحدى أهم الحضارات التي أسست للديمقراطية والسياسة وباقي العلوم، حيث شهدت ما يعرف بالدستور والبرلمان في صيغته الحالية، غير أنها لم تحظ بالاهتمام الكبير من طرف المؤرخين التونسيين، ما جعل ثلة من التونسيين بقيادة “كريم مختار”، أطلقت على نفسها اسم “حركة جمهورية قرطاج”، تنتفض وتعيد الحفر في ذاكرة الحضارة القرطاجية لبعثها من جديد، ولمعرفة الغاية من إحياء قرطاج ومدى قابلية الفكرة لدى جيل اليوم، تواصل موقع “نيوز الجزائر” مع التونسي “كريم مختار” وكان الحوار التالي:

● ماذا يعني لك التاريخ؟

لكل منا قصته والقصة تتحرك في سياق زمني مسترسل، يتجه من ماض إلى مستقبل، حتى نتعلم من الماضي لنبني المستقبل. من المهم جدا أن نعرف تلك القصة، لأن في معرفتها كاملة، تكمن إمكانية إدراك ذواتنا الحقيقية، ومن ثمة تطوير تلك الذوات. ومن المهم أن يعرف الفرد منا ماضيه، حتى يتمكن من صنع مستقبل أفضل وأكثر استقرارا. نفس الأمر ينطبق علينا كمجموعات بشرية، ترتبط فيما بينها بروابط الثقافات المشتركة والمخيال الجمعي. الدول كذلك كائنات لها قصصها وبطاقات هوياتها. وببساطة، ماضي الدول هو تاريخها. لا يمكن لدولة ما أن تنضج وتتقدم إلا من خلال توحيد شعبها حول “قصة موحدة”.

وهناك من القصص ما يوحد، وهناك أيضا ما يفرق. عندنا في تونس والجزائر مثلا تاريخ مجيد وقصة تاريخية موحدة وعظيمة، هي جمهورية قرطاج، لكن تراكمات الإستعمارات المتتالية نهشت فيها عبر آليات الفتن واستعباد الناس وتفقيرهم، فإضعاف وعيهم وبالتالي إضعافهم كمجتمعات. بدأ ذلك منذ القرن الثاني قبل الميلاد حين سقطت قرطاج. وحاول المستعمر بعد ذلك تمزيق “قصة شمال إفريقيا” الأصلية وتعويضها بسرديات تاريخية جديدة مزيفة ومهينة. لذلك علينا اليوم إصلاح ما فسد على هذا المستوى لننهض من جديد.

● اتخذت منحى ضاربا في التاريخ (الحضارة القرطاجية)، هل نالت حقها من طرف المؤرخين والباحثين والموثقين التونسيين؟

لا أعتقد أن الحضارة القرطاجية قد نالت حظها بما فيه الكفاية من طرف المؤرخين والباحثين والموثقين التونسيين أو الشمال إفريقيين أو حتى العالميين. نحن نرى أن تاريخ قرطاج قد كتبه لنا أعداءها من الرومان والإغريق، ثم غيرهم كل من هب ودب من مستعمر. قرطاج كانت أول جمهورية في تاريخ البشر، أول دولة تؤمن بالتعددية في العالم، فيها كتِب أول دستور عصري، منها تعلمت أوروبا الكتابة، القراءة، الفلاحة، الملاحة، التجارة، السياسة، فنون المعمار وحتى الفلسفة والتحضر بشكل عام. الكثير منا في تونس والجزائر اليوم مثلا، لا نعرف أن رئيس أكاديمية أثينا للفلسفة كان فيلسوفا قرطاجيا إسمه “عزربعل” ثم غيروا له إسمه إلى “كليتومكوس” وقد كتب أربعمائة كتاب لم يصلنا منهم شيء، وأن مؤسس علم الزراعة كان “ماجون” القرطاجي، الذي ألف موسوعة الفلاحة المتكونة من 28 مجلدا، لم تصلنا منهم اليوم إلا بعض الفقرات المشتتة هنا وهناك. وأن أعظم رحالة العالم القديم كانوا قرطاجيين، أذكر منهم “حنون وخيملك” على سبيل الذكر لا الحصر، وأن سفن قرطاج العظيمة كانت تعد بمثابة أحدث التكنولوجيات في ذلك الوقت، وقد مكنت أجدادنا الشمال إفريقيين من الإبحار حول القارة الإفريقية، وبلوغ شمال أوروبا بل وحتى أمريكا حسب آخر البحوثات، وذلك بمئات السنين قبل “كولمبس”.

هذه المسائل وغيرها لا تدرس في مدارسنا ولا يتحدث عنها أحد. وهذا خطأ فادح نحن بصدد دفع ثمنه.

● لماذا يهتم الغرب بتاريخه وتاريخ البشرية، فيما يتجاهل الشرق تاريخه؟

الغرب فهم القصة بشكل جيد. فهم أن للسردية التاريخية تأثيرا عظيما وهائلا على نفسية ومخيال المجتمع، وثقة الناس بأنفسهم. الغرب فهم دور السردية التاريخية في نسج شخصية الفرد، وزرع الواعز الوطني فيه. وفهم كذلك دور السردية التاريخية في أن تلعب دور السلاح المدمر عن بعد، بالنسبة لمن لا يريدونه أن ينافسهم مستقبلا. روما كانت أول من لعبت هذه اللعبة القذرة، عندما حرقت قرطاج وقتل مئات الآلاف من الشمال إفريقيين، في أكبر جريمة حرب وهولوكوست مسكوت عنه في التاريخ، ألا وهو هولوكوست 146 قبل الميلاد الذي يطلقون عليه، زورا اسم “حرب بونيقية ثالثة”، وهي ليست حربا لأنهم هاجموا أناسا عزلا.

أوروبا اليوم تفتخر بتاريخها وتلمعه ولها الحق في أن تفعل ذلك. أمريكا بصدد صناعة سردية تاريخية خاصة بها اليوم ولها الحق في ذلك. دول أخرى قوية تصنع تاريخها اليوم حسب إرادتها هي لا إرادة الآخرين. ولكن شمال إفريقيا تنسخ ما قيل لها من الخارج، وتكرره في مدارسها دون بحث وإمعان وتصفية. وهذه إشكالية، علينا التخلص منها في أقرب فرصة ممكنة.

● قرطاج كانت حضارة “متحضرة” عن أوروبا في وقتها، لماذا تقهقر أبناؤها ورفضوا النهوض؟

إثر سقوط قرطاج سنة 146 ق.م.، تمت مطاردة وقتل كل من يعلن أنه يكن الولاء للفكر القرطاجي، وكان القائد “يوغرطة”، الذي ولد في قسنطينة ثم عاش في مدينة الكاف بتونس اليوم، مثلا أحد هؤلاء الأبطال المتمردين. أبناؤها تم الرمي بالكثير منهم إلى الأسود والوحوش الكاسرة، لتفترسهم على مرأى من الأباطرة الرومان، الذين كانوا يستمتعون بمثل تلك المشاهد الوحشية البربرية. لغتها اعتبرها المحتل الروماني لغة قبيحة، شوهوها بما يسميه المؤرخون ب”اللغة البونية الجديدة” (neo punic). ثم منعوا القرطاجيين من الكتابة بها بعد ذلك، وفرضوا عليهم تعلم اللاتينية، وحاولوا إجبارهم على أن يتشبهوا بالرومان، وأن يلغوا ذواتهم وثقافتهم فيما يسمى بظاهرة “الرومنة”. منعوهم من مجرد تسمية أبنائهم بأسماء قرطاجية. كان استعبادا بشعا جدا دام لأكثر من خمسة قرون كاملة.

إن كل هذه العوامل، عندما تنتشر في مجتمع ما لمئات السنين، فإنها تخلق رجات داخلية سلبية في تلك المجموعات البشرية المقهورة، وأمراضا نفسية عميقة وخطيرة جدا، وتقتل الثقة بالنفس وتزرع في محلها ثقافة الخوف والتردد.. ثم شيئا فشيئا، الإستسلام والتطبيع مع وهم الخوف، إلى أن نصل إلى مرحلة احتقار الذات وتأليه الآخر.. أو ما يسمى في علم النفس ب”متلازمة ستوكهولم”.

هذه الحالة المرضية تكررت مع عدد من الحضارات الأخرى إثر سقوطها. ولكن الشيء الإيجابي الذي يجب أن نتحدث عنه اليوم، هو أن هناك من هذه الحضارات من يستفيق من سباته حتى وإن كان طويلا، ويشرع في الإصلاح، ويتقدم ويتدارك. ونحن سنكون من هؤلاء.. وكما قال حنبعل برقة “سوف نجد حلا أو سنصنع واحدا.”، بمعنى أن الاستسلام والركود الذي عشناه هو أمر مؤقت، وقرطاجيتنا تحتم علينا العمل لأن لا نرضى بموقع أقل من موقع الريادة، وأن نكون أسياد أنفسنا.

● أنت مقيم بالغرب، لكنك تسعى لإعادة إحياء تاريخ غابر، كيف ذلك وما هو رهانك؟

في عالمنا المعاصر ليس هناك أهمية كبرى للمواقع الجغرافية التي نتواجد فيها جسديا. العالم أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيات الإتصال. هناك دول وثقافات تؤثر وتحتل أخرى عن بعد، هناك تجارة عن بعد، هناك تعليم عن بعد، وهناك حروب عن بعد كذلك. وهي أخطر الحروب ربما وأشدها فتكا ودمارا للأسف.

اليوم ليس هناك شرق وغرب بالمفهوم العربي القديم، والمتداول عليه في بعض الأذهان إلى يومنا هذا. إن الشركات المؤثرة هي شركات دولية توجد في كل مكان من الكرة الأرضية، بل حتى خارجها. الثقافات الأكثر تأثيرا كذلك.. من فنانين إلى كتاب وغيرهم. الأفكار يمكنها التنقل بأكثر حرية من قبل.. وهذا حالنا في “حركة جمهورية قرطاج”. نحن نؤسس لحركة وطنية قرطاجية ولفكر حديث عصري مستقبلي، لكنه في الآن نفسه يستمد روحه من أصالة قرطاج وتاريخنا المجيد. كان لنا شرف أن بدأنا أول حركة وطنية قرطاجية في تاريخ البلاد بعد سقوط قرطاج منذ 22 قرنا واليوم لم نعد لوحدنا. نستعمل التكنولوجيا كثيرا، ونتواصل مع مواطنين تونسيين من كل أرجاء المعمورة.. وهذا كان أمرا مستحيلا في السابق، لكنه اليوم واقع.

أما عن رهاني الأول فهو رغبة شعبي، وخاصة الشباب منه، وحلمه المشروع في أن يستعيد المكانة اللائقة به في العالم. شعبنا رائع ويستحق أن تعود إليه قرطاج العظيمة من تحت رماد الخمود وظلمة اليأس والقنوط، لتحلق به عاليا نحو النور والأمل والنجاح.

● القائد “حنبعل” عبر جبال الألب بالفيَلة، مازال اسمه خالدا، لكن لا خليفة بعده، فهل انقطعت جيناته؟

أنا لا أؤمن بمسألة الأعراق والتفوق العرقي، بل أرفضها تماما لأن مد وجزر التاريخ أثبت عدم صحتها. شعب أول يتفوق اليوم ثم تنهار حضارته، لسبب من الأسباب، لتترك مكانها لشعب ثان وحضارة أخرى لثلاثة قرون أو أكثر أو أقل، ثم تترك مكانها بدورها إلى حضارة أخرى، وهكذا دواليك.. تلك قصة الحضارات البشرية حتى الآن.. تتحرك في شكل دائري ووفقا لنفس العوامل مع إختلافات أشكال الأزمنة وقشورها..

عندما نتحدث عن حنبعل ووالده “أميلكار” والقرطاجيين بشكل عام، فإننا نتحدث عن عقلية.. ثقافة.. إرادة.. أطلق أحيانا على هذا “جينات ثقافية”. تركيبة نفسية خاصة يرفض صاحبها فكرة الاستسلام ولا يعترف بمصطلح الاستحالة. وهذه العقلية، أو الشخصية، لا تزال موجودة، وبقوة، في شعوب شمال إفريقيا عامة ولكنها تختبئ تحت تراكمات وروافد وغبار كثيف علينا كنسه ومسحه كما يمسح علاء الدين مصباحه السحري حتى يظهر له مارده.

حاورته: ميمي قلان

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا